الفصل التاسع، الجزء 3: كارثة فلسطين 1947-1949

اقرأ بالإنكليزية

الفرع الثاني
كارثة فلسطين

عوامل عديدة متشابكة تضافرت على اقتطاع أرض فلسطين وإعطائها لليهود ليقيموا عليها دولة ترعاها الدول الغربية وتمدّها بأسباب الحياة والسلاح.

ومن أقوى هذه العوامل، الكراهية التاريخية التي يكنّها مسيحيو أوروبا للإسلام والمسلمين منذ الحروب الصليبية.. والضعف المحزن الذي نخر جسم الدولة العثمانية المسلمة.. وتغلغل المال والنفوذ اليهوديين في الأوساط المتنفّذة ولدى صنّاع القرار في أوروبا (إنكلترا خاصة) والولايات المتحدة، والمزاعم التوراتية التي يؤمن بها كثير من رؤساء الغرب.. والإمدادات النفطية التي تسبح فوقها منطقة الخليج العربي.. يضاف إلى ذلك عجزنا الفاضح عن تطوير أنفسنا عقليًّا، وضعف اندماجنا في الحضارة العالمية، كما فعلت أمم الغرب والشرق، كاليابان وجيرانها الصفر.. وظلَّت عيوننا على التراث الذي أقام الماضي وكرَّمه.. ونمنا على ذكرياته الحلوة.. وقنعنا بالتنعُّم بمظاهر العصر، فاستعملنا الثلاجات والطائرات والسيارات وفرشنا البيوت بالكنبات والقلاطق.. وحلَّلنا الدم والأنسجة بواسطة أدقِّ الأجهزة العلمية.. لكننا أنزلنا ستارًا من الجمود على العقل، ورفضنا أن نستعمل إمكاناته الهائلة.

وعن آثار النفط كتب مانغولد ما يلي:

«كل عضو من أعضاء التحالف الغربي يعتمد اعتمادًا مباشرًا أو غير مباشر على نفط الشرق الأوسط، ولذلك يتعرَّض كل هؤلاء الأعضاء للاضطراب الاقتصادي الداخلي إذا انقطعت إمدادات النفط عنهم. ويمكن القول إن الاستقرار الاقتصادي بالنسبة إلى كثير من الأقطار مشكلة ملحّة أكثر من الأمن العسكري. وقد كان استخدام الطائرات السوفياتية في مصر عام 1970 ينطوي على نتائج استراتيجية مشؤومة، لكن لم يكن له في الحقيقة أي تأثير مباشر ولا حتمي على أوروبا، بينما سبَّب استخدام سلاح النفط في عام 1973 ذعرًا واسع النطاق في الأوساط الحكومية، وشعرت به البيوت في سائر أنحاء أوروبا واليابان وأميركا»[1].

«وإن أي صراع في الشرق الأوسط سوف يتخذ صفة المواجهة بين الدولتين العظميين التي لا يوجد لها حل»[2].

وقد أقيمت إسرائيل نتيجة لمؤامرة دولية، حاكتها بريطانيا التي كانت فلسطين أمانة في عنقها تسلَّمتها انتدابًا من عصبة الأمم، لكي تعدّها للاستقلال، ثم جاءت الولايات المتحدة الأميركية، وتسلَّمت مهمة إنجاز قيام إسرائيل على الرغم من أنف المجتمع الدولي، وبممارسة ضغوط شديدة على الدول الصغرى. وكان للرئيس الأميركي هاري ترومان موقف شخصي ظالم ضد العرب في موضوع تقسيم فلسطين. وأنقل هنا ما كتبه الأستاذ مانغولد في هذا الصدد. قال:

«كانت سياسة ترومان بتأييد خلق إسرائيل قد لقيت معارضة في عام 1948 من وزارات الخارجية والدفاع والبحرية ومن جانب رؤساء الأركان المشتركة الأميركية، الذين كانوا يخشون في حالة النضوب السريع لاحتياطي النفط الأميركي أن تؤثِّر السياسة الأميركية في إمدادات النفط في المستقبل. وكانوا يعتقدون أن العرب يمكن أن يلتفتوا نتيجة لذلك إلى الاتحاد السوفياتي.

وثبت أن هذه المخاوف كانت تنطوي على بعد نظر. فقد بدأ العرب فعلًا يلتفتون إلى الاتحاد السوفياتي بعد سبع سنوات، وكان ارتباط أميركا بإسرائيل هو المسؤول بالدرجة الأولى عن تزويد الاتحاد السوفياتي بمنفذ عسكري في المنطقة»[3].

وحين جرى التصويت بتاريخ 29 تشرين الثاني 1947 في اللجنة التي شكَّلتها الأمم المتحدة لدراسة القضية الفلسطينية، كانت نتيجة التصويت فيها كما يلي:

25 صوتًا مؤيدًا للتقسيم و12 صوتًا معارضًا و17 صوتًا مستنكفًا. فإذا جمعنا المعارضين والمستنكفين وجدنا أنهم أكثر عددًا من مؤيدي التقسيم. وعندها لجأت أميركا إلى الضغط على بعض الدول لتغيير الأوضاع، وتمَّ لها ما أرادت.

وحين صوَّتت الهيئة العامة للأمم المتحدة على مشروع التقسيم، صوَّت إلى جانبه 33 دولة في مقدّمتها الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وتشيكوسلوفاكيا وبلجيكا والدانمرك وكندا وهولندا.. وامتنعت عشر دول عن التصويت على رأسها بريطانيا التي أقامت دولة إسرائيل فعليًّا وجهَّزتها بكل وسائل الشرِّ قبل أن تنسحب من فلسطين يوم 15 أيار 1948 ودولة الصين ويوغسلافيا والأرجنتين. وغابت دولة سيام عن الجلسة.

وعارضت التقسيم الدول العربية الست وهي سورية ولبنان ومصر والعراق والسعودية واليمن، والدول الإسلامية وهي تركيا وأفغانستان وباكستان وإيران، كما عارضته الهند وكوبا واليونان[4].

وقد عمَّ الحزن العالم العربي من صدور قرار التقسيم، وأُصيب أعضاء المجلس النيابي بالذهول.

واجتمع أعضاء الكتلة الدستورية برئاسة رئيسها الكيخيا، وتداولوا في الأمر وقرَّ الرأي على تسجيل موقف يشجب هذه المؤامرة. وقد تقدَّمت كتلتنا هذه إلى مجلس النواب بالاقتراح الآتي:

«تكليف لجنة الشؤون الخارجية بوضع صيغة قرار يتضمَّن الأمور الآتي بيانها:

1. شجب القرار الذي اتخذته الهيئة العمومية لمنظمة الأمم المتحدة في تقسيم فلسطين وعدم الاعتراف به.

2. توجيه شكر من المجلس النيابي إلى الدول غير العربية التي صوَّتت إلى جانب الدول العربية.

3. تكليف الحكومة (السورية) الاتصال بالدول العربية بأسرع ما يمكن لإفراغ القرارات المتخذة في المؤتمرات السابقة في شكل عملي وإعداد الوسائل واتخاذ التدابير العاجلة في سبيل إحباط مشروع التقسيم والقضاء عليه وتأمين استقلال فلسطين العربية.

4. تكليف الحكومة لإيجاد مورد دائم من المال يخصّص لإنقاذ فلسطين، وذلك عن طريق رسم أو ضريبة تشترك في دفعها سائر الشعوب العربية[5].

وفي تلك الأيام العصيبة، أيام العجز والتسيُّب وضياع المقاييس في تحديد المسؤوليات.. كنا نفزع بآمالنا إلى عدالة دولية لكننا كنا نحتكم إلى قوى هي الحَكَمُ وهي الخصم.

وليست كتابة تاريخ تلك الحقبة السوداء من مواضيع هذا الكتاب المحدّد بموضوعه وغرضه، خاصة وأن أنهارًا من الحبر قد أريقت على أسنّة أقلام عدد من المؤرخين[6]. غير أني أحبُّ أن أذكر ما تمَّ ليلة 14-15 أيار 1948 في إحدى قاعات مجلس النواب وهي الليلة التي تمَّ فيها انسحاب الجيش البريطاني من فلسطين فأنهى بذلك انتداب بريطانيا.

فقد دعت الحكومة لجنتي الشؤون الخارجية التي كنت مقرّرها، والدفاع الوطني إلى جلسة طارئة مستعجلة تلك الليلة. وحضر الاجتماع الذي عقد في جلسة سرية، رئيس مجلس النواب أستاذنا فارس الخوري ورئيس الحكومة جميل مردم ووزير الدفاع الوطني أحمد الشراباتي الذي كان كثير من النواب يكنُّون له كراهية خاصة ولا يثقون به، لأن سمعته السيئة رسمت حول وضعه السياسي كثيرًا من التساؤلات.

وشرح وزير الدفاع الأوضاع العسكرية، وأشاد بما قامت به وزارته من استعدادات هامة. وقال إن الجيش السوري على أهبّة المساهمة في القتال بكفاءة عالية حين يتطلَّب منه الواجب القومي أن يساهم في العمل العسكري.. وكان في غاية الانشراح والثقة فيما يقول. وأكَّد رئيس مجلس الوزراء أقوال وزيره، وطرحنا بعض الأسئلة وكان مما قلته:

هذه استعداداتنا، فهل هي كاملة؟ وأجاب الوزير: إن جيشنا لا ينقصه شريط حذاء لجندي.. وسألت: ما هو مدى معلوماتكم عن استعداد اليهود؟ قال الوزير: لدينا معلومات دقيقة عن كل مستعمرة، وعدد جنودها، وأسلحتهم وأنواعها.. وحتى كميات التموين لديهم.

ونهضنا لندخل قاعة الاجتماع، حيث عقدت جلسة سرية للمجلس النيابي حول منتصف الليل.. وكان رئيس الوزراء في مواجهة منبر الرئاسة، وأمامنا تقريبًا.. وحين أطبق عقرب الساعات على عقرب الدقائق في منتصف الليل تمامًا، وقف جميل مردم، ليعلن أنه في هذه اللحظة اقتحمت الجيوش العربية فلسطين لتحريرها.

وألقى خطابًا مقتضبًا أعرب فيه عن ثقته بالنصر.. وصفَّق النواب وبكى مَن بكى انفعالًا.. وخرجنا في الليل إلى بيوتنا. وكانت أجهزة الراديو في الشوارع تنقل خطاب شيخ الجامع الأزهر إلى القوات المسلحة والعرب المسلمين مستشهدًا فيه بقول الله تعالى:

(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران: 169].

بعد ذلك وقعت أحداث جسام، علمنا منها أن استعداد جيشنا كان غير كاف وأن اليهود سرَّبوا إلى استخباراتنا مخططات كاذبة عن حالة مستعمراتهم فاستعملها وزيرنا في دعم أقواله في جلسة لجنة الشؤون الخارجية «بأننا نعرف كل شيء عنهم».

وكان لأنباء «التراجعات» العسكرية في فلسطين صدى محزن في البلاد، وأصاب الناس ذهول لا يوصف.. هل صحيح ما يقال؟ وكيف «يتراجع» مائة مليون عربي ومليار مسلم أمام حفنة من شذاذ الآفاق؟ وأين ما قاله النائب عبد الرؤوف أبو طوق (نائب دمشق عن الإخوان المسلمين) في خطاب له في المجلس: «نحن قادرون على إغراق اليهود بالبصاق العربي».

وتحدَّث الكيخيا عن هزيمة فلسطين ووعود الحكومة المردمية بالعمل «الجاد» لاستعادة هذا القطر الغالي.. فقال مندِّدًا:

«كان لدينا الملايين من النقود الأجنبية (من أيام الحرب) وكان في الإمكان أن نحتفظ بها لهذا اليوم العصيب الذي احتجنا فيه لشراء الأسلحة من الخارج لإنقاذ فلسطين، وكذلك لدعم نقدنا السوري بعد انفصاله عن النقد الفرنسي».

لكن هذه الملايين تسرَّبت إلى جيوب بعض الأشخاص، وإن القائمة التي تحتوي على أسماء كثيرين منهم موجودة لدى وزارة المالية.. ومنهم مَن أخرجها من البلاد ووضعها في بنوك أجنبية، ومنهم مَن تصرَّف بها تصرُّفًا لا يتفق مع المصلحة العامة. وكان منتظرًا من أولي الأمر أن يقدِّموا هؤلاء الأشخاص إلى المحاكمة.. لكننا حتى الآن لا نجد دليلًا على اتخاذ إجراء يمحو هذه الوصمة.

وهذه الحكومة تطلب ثقة المجلس، وليس في برنامجها إلا كلمتان فقط:

تعبئة الأمة وإنقاذ فلسطين.. كلام عادي يقوله كل فرد. لكن أين هي الخطة التي أعدَّتها الحكومة؟.. إن سورية لا تستطيع أن تخوض معركة فلسطين بمفردها من دون الاتفاق مع دول الجامعة العربية. وكنا نتمنَّى من هذه الجامعة بعد الكارثة التي حلَّت في فلسطين، وبعد أن شرّد أبناؤها وبعد أن اعتدي على كرامة العرب وصودرت ممتلكاتهم واعتدي على أعراضهم، أن تخوض معركة فلسطين على غير الأسلوب السابق.. وأن تعلن للعالم أن الجيوش العربية أصبحت جيشًا واحدًا موحدًا في قيادته وأساليبه وأن السياسة الخارجية للبلاد العربية أصبحت سياسة واحدة موحدة.. وأن توحد النقد العربي أيضًا.. بهذا يمكن أن يقال إننا سننقذ فلسطين.

وإني أطالب بتشكيل لجنة تحقيق تحقّق مع وزير الدفاع أحمد الشراباتي لبيان صحة التهم الموجهة إليه..»[7].

والذي حدث لا يجهله أحد. تراجعت الجيوش العربية السبعة التي كانت تسمَّى «السبعة أصفار»[8]، وتدخَّلت الدول الكبرى في الموضوع الذي كان يسير بحسب ما خطّطت له، وعرضت على اليهود والعرب هدنة لمدة أربعة أسابيع، عارضها فارس الخوري بشدّة، لكن العرب قبلوها وتمَّ التوقيع عليها في 11 حزيران 1948 في جزيرة رودوس اليونانية. وراحت الأسلحة والذخائر والرجال يتدفَّقون على إسرائيل للمحاربة في صفوفها وفكِّ الحصار عن مائة ألف يهودي كانوا محاصرين في القدس، فاشتركوا في القتال بعد انتهاء فترة الهدنة.. واختلَّ الميزان[9]، وعادت المعارك من جديد في 7 تموز 1948. لكن الجيوش العربية أخفقت في ساحات القتال، فقبل العرب هدنة جديدة هي الثانية يوم 18 تموز 1948 إلى 7/1/1949.

وبها تمَّ إحكام الطوق على رقابنا.

وقد صرَّح رياض الصلح رئيس الوزراء اللبناني قائلًا:

«إن الهدنة مع إسرائيل حنكة سياسية».

وأذكر أنني ردَّدت عليه في مقال مطوّل، قلت فيه:

«إنها ليست حنكة سياسية يا صاحب الدولة، وإنما هي خطيئة سنأكل غدًا أيدينا جميعًا من الندم على ما فرَّطنا.. إن هذه الهدنة لن تجلب للعرب خيرًا أبدًا»[10].

وقد أثبتت الأحداث مع الأسف صحة هذا القول.

وقد تشكَّلت في أيلول 1948 حكومة فلسطينية برئاسة أحمد حلمي باشا. لكنها لم تحظَ بالاعتراف العربي[11].

وأنقل هنا للذكرى ما كتبه محمود رياض الذي أصبح وزيرًا للخارجية المصرية ثم أمينًا عامًا للجامعة العربية في مذكراته:

«بدأت المفاوضات في جزيرة رودوس يوم 13 يناير (كانون الثاني) 1949، تحت إشراف الدكتور بانش (الأميركي الجنسية) ممثلًا الأمم المتحدة، بين مصر وإسرائيل واستمرَّت 40 يومًا.

وإن أي دراسة للاتفاقات التي وقَّعتها الدول العربية مع إسرائيل، تظهر أنها تكاد تصل إلى مرتبة اتفاقات سلام. فقد نصَّت على عدم استعمال القوة العسكرية في تسوية مشكلة فلسطين، وعدم قيام القوات المسلحة لأي من الفريقين بأي عمل عدائي، أو أن تخطِّط لمثل هذا العمل أو تهدِّد به شعب الفريق الثاني أو قواته المسلحة»[12].

وهكذا ضاعت فلسطين، نتيجة لمؤامرة دولية شائنة، لسوء الوضع العربي المفكّك والضعيف، وبذلك انغمست المنطقة العربية كلها، منذ قيام إسرائيل المشؤومة كدولة، في سلسلة من الحروب المدمّرة، واكبتها سلسلة من الانقلابات العسكرية والاغتيالات.. وتردِّي الاقتصاديات وغربان المذلة.

وقد كتب الأستاذان Mariantoni (الإيطالي) و Oberson (النمساوي) بأن: «قيام إسرائيل كان سببًا في جميع مصائب الشرق الأوسط ولولاه لما ولد حكام مثل.. ولما ولدت الديكتاتوريات في البلاد العربية»[13].

وللعبرة والتاريخ، أرى أن أستشهد بأقوال ضابطين سوريين لامعين شاركا في حرب فلسطين، وعرفا الأسرار التي لم يكشف عنها أحد.

الأول، الضابط الطيار راشد الكيلاني، الذي تحدَّث في مذكراته عن تلك الأيام السوداء. ومما قاله عن حرب 1948 ما يلي:

«كان الجيش السوري الذي تسلَّمته سورية من الفرنسيين عام 1946 قد سرّح معظمه من قبل وزير الدفاع أحمد شرباتي. ولم يكن عدده حين دخل الحرب أكثر من 4000 رجل، بينما صرَّح هذا الوزير في اجتماع رؤساء الأركان في عمان بتاريخ 3/5/1948 أن عدده 18000، وقد رفض الشراباتي قبول العرض الفرنسي بتزويد الجيش بمعدات وأسلحة فرنسية زهيدة الثمن.. بناء على نصيحة مستشاره البريطاني الكولونيل فوكس.. وكان عدد جيش الأردن ستة آلاف رجل مدرّبين تدريبًا جيدًا، وعدد القوات العراقية المقاتلة في فلسطين خمسة آلاف وعدد القوات المصرية عشرة آلاف، وكان عدد القوات اللبنانية ألفًا وخمسمائة رجل.

وقد أصرَّ الملك عبد الله على تولِّي قيادة الجيوش العربية، على الرغم من التحفُّظات التي أبديت على ذلك الإصرار، لأن قائد جيشه كلوب كان إنكليزيًّا[14].

وقد قدّرت التقارير البريطانية الرسمية في ذلك الوقت أن جيش الهاغانا (الصهيوني) يزيد عن 65 ألفًا وعنده 40 ألفًا من جنود الاحتياط»[15].

والثاني هو الضابط أمير شلاش، الذي أصبح فيما بعد نائبًا لرئيس الأركان العامة، وكان قائد فوج في حرب فلسطين برتبة مقدّم. فقد تحدَّث إليّ في مقابلة بتاريخ 30 أيلول 1990 عن تلك الأيام الأليمة وقلبه يقطر دمًا. وأقتطف من أقواله ما يلي:

«كنت مقدّمًا، وكنت أقود فوجًا تعداده 600 جندي وضابط في الجبهة. وكان تعداد الجيش السوري نحو 3600 رجل، مقسَّمين على ستة أفواج وكان تعداده في حدود 25000 حين تسلَّمناه من فرنسا عام 1946. وقد سرَّح وزير الدفاع أحمد شرباتي أكثر ضباطه وأفراده، بحجّة أن سورية ليست في حاجة إلى جيش كبير.. ومشكوك في ولائه.

وكان جيشنا سيئ التسليح، ضعيف الإمكانات القتالية.. وقد توجَّهنا إلى الجبهة، وليس معنا خرائط للمناطق العسكرية.. وليس لدينا من الذخائر ما يكفي لأكثر من عدة ساعات في اشتباك حاسم.

وقد تلقَّيت أمرًا بالتوجُّه إلى جنوب لبنان، من أجل مهاجمة الجليل، بمعاونة القوات الفلسطينية المتمركزة هناك، ثم ننطلق بعد ذلك للالتقاء بالقوات العربية الزاحفة من الشرق والجنوب.

وقد فوجئت قبل موعد المعركة بيومين، أي في 13 أيار 1948 بأمر من القيادة، يطلب إليّ التوجُّه في الحال إلى منطقة كفر حارب (قرب الحمّة وبحيرة طبريا).. في مهمة جديدة هي احتلال سمخ فتوجَّهت بالفوج على الأقدام تقريبًا.. ولم يكن لدينا آليات، فاهترأت جنازير الدبابات.. ولم يصل معي إلى كفر حارب إلا 180 رجلًا!.. وهنا ركَّزت المدفعية على المستعمرات اليهودية، من الجبال المطلّة عليها.. وما كدنا نستقر، حتى جاءني أمر الملك عبد الله، بوجوب النزول إلى السهل، والاتجاه لاحتلال مدينة سمخ.. وكان ذلك مستحيل التنفيذ، لأن المدفعية اليهودية، التي أصبحنا مكشوفين في مرماها، قتلت أو أعطبت ثمانين رجلًا.. لذلك اضطررت إلى التراجع، بمَن بقي معي من رجال قليلين..

وهذه الشهادات، إن دلَّت على شيء، فإنما تدلُّ على مدى تغلغل المؤامرة الدولية الفظيعة، وسوء الاستعداد العربي، وضلوع بعض الكبراء العرب في المخطط الصهيوني.

وقد أريق كثير من الحبر في موضوع قيام إسرائيل..

من المفيد حقًّا قراءة كتابين من كتب الصهاينة، ترجما إلى العربية:

الأول: يوميات الإرهابي مناحيم بيغن، دار المسيرة، بيروت 1983، ترجمة معن محمود.

والثاني: مذكرات موشيه دايان، وعنوانه «الفاشية»، دار المسيرة (دون تاريخ)..

وأحبُّ أن أختم هذا الفرع بالملاحظات التالية:

1. عقد الملك فيصل بن الحسين في كانون الثاني 1919 اتفاقًا مع حاييم وايزمن، وهما «يدركان القرابة في الجنس والصلات القديمة القائمة بين العرب والشعب اليهودي» جاء فيه:

أ. القبول بوعد بلفور الصادر في 2 شباط 1917.

ب. وجوب تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين على مدى واسع.

ج. وفي حالة الخلاف على تفسير هذا الاتفاق، يحكِّم الفريقان الحكومة البريطانية لتفصل فيه.

2. عندما بدأت محاولات الاستيطان اليهودي في فلسطين، بفضل سياسات بالمرستون ودزرائيلي (رئيس الحكومة البريطانية اليهودي) وأموال المليونير روتشيلد (اليهودي)، كان عدد اليهود في فلسطين 8000 شخص يملكون 5000 فدان من الأراضي، وعندما نشر هرتزل كتابه عن الدولة اليهودية في فلسطين عام 1896، كان عدد اليهود فيها لا يزيد عن 25 ألفًا، يملكون 2% من أراضيها.

وكان عدد العرب 800 ألف يملكون 98% من الأراضي.

وعندما صدر وعد بلفور عام 1917 كان عدد اليهود في حدود 48 ألفًا يملكون 3.50% من الأراضي، وكان عدد العرب 920 ألفًا.

وعند صدور قرار التقسيم عام 1947 أصبح عدد اليهود 300 ألف ويملكون من الأراضي 6% فقط، وأصبح عدد العرب 1.100000 شخص يملكون 94% من الأراضي.

ويوم أعلن عن قيام الدولة اليهودية عام 1948 لم يكن يزيد عدد اليهود عن 400 ألف، ولا تزيد ملكيتهم من الأراضي عن 7%.

ويعلِّق الأستاذ هيكل قائلًا[16]: «هذه الإحصاءات تكذِّب ادعاءات الدعاية الصهيونية بأن فلسطين أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض».

وبدأت هجرة يهودية كثيفة تتدفَّق على فلسطين، فقد هاجر إليها عامي 1948 و1949 فقط، أكثر من 600 ألف مهاجر يهودي من شتّى أصقاع العالم.

وتجدر الإشارة إلى أن مؤرخًا يهوديًّا هو Israël Shahk أورد في مقدمة كتابه «التاريخ اليهودي - الدين اليهودي»[17]، التي كتبها له Gore Vidal أن يهوديًّا أميركيًّا قدَّم للمرشح ترومان، وهو في القطار الذي يتنقَّل فيه في جولته الانتخابية، حقيبة فيها مليونا دولار. وقد حدَّثه بهذه القصة جون كنيدي الذي أصبح رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية. «وهكذا تمَّ اعترافنا بإسرائيل».

ويضيف صاحب المقدمة «وكنا بها نتضاحك على ترومان، وعلى هيمنة الفساد في عالم السياسة الأميركية». «وأن أقلية دينية لا تزيد على 2% اشترت أو أرهبت سبعين سناتورًا (عضو مجلس الشيوخ).. واختلست مليارات الدولارات، لإنشاء الحصن المزعوم (إسرائيل) ضد الشيوعية.. وكل الذي حصلنا عليه هو فقدان صداقتنا للعرب».

وأدرك المجتمع الدولي خطورة الصهيونية، حين انكشفت للناس بعض أهدافها، فاتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 تشرين الثاني 1975 (الدورة 30) قرارًا قالت فيه:

«الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري». وقد اعتبر هذا القرار رفضًا من جانب غالبية الأمم المتحدة للحركة الصهيونية التي زعم أنصارها «أنها حركة التحرير الوطني للشعب اليهودي».

ولم تعبأ إسرائيل وأنصارها بهذا القرار، معتمدة على سلاحها النووي، ودعم الولايات المتحدة، الذي لا يقف عند حد.

ومن أسف أن هذا القرار ألغي فيما بعد، بضغط من أميركا والصهيونية العالمية.

الحواشي:

[1] في كتابه: تدخل الدول العظمى في الشرق الأوسط، ترجمة أديب شيش، دار طلاس 1985، ص167.

[2] هنري كيسنجر، وزير خارجية أميركا (اليهودي) في مؤتمر صحفي عقده بتاريخ 18 حزيران 1974. عن بيتر مانغولد، المشار إليه، ص90.

[3] الكتاب المشار إليه، ص88.

[4] وقد كشف النقاب عام 1999 عن رسالة وجَّهها بابا روما يوحنا بولس الثاني عشر، في حزيران 1943 إلى الرئيس روزفلت عبَّر فيها عن معارضته الشديدة لإقامة وطن لليهود في فلسطين، ومحذّرًا من قلاقل دولية محتملة (البعث عدد 5/7/1999).

[5] راجع محضر الجلسة 1 كانون الأول 1947، ص294.

[6] تراجع دراسة الدكتور هيثم الكيلاني بعنوان «حروب فلسطين العربية - الإسرائيلية في الموسوعة»، ج5، بيروت 1990، ص477-753.

[7] محضر جلسة 28 آب 1948، ص565.

[8] ذكر محمد حسنين هيكل في كتابه «العروش والجيوش» أن الحاج أمين الحسيني (مفتي فلسطين الأكبر) وجَّه إليه شهادة مكتوبة عن حرب فلسطين، قال فيها إنه كان معارضًا لدخول الجيوش العربية إلى فلسطين، وإنه كان يريد أن يقوم أهلها بالدفاع عنها، بمعاونة الدول العربية. وعارض عدد من زعماء مصر دخول الجيش المصري هذه الحرب مثل إسماعيل صدقي باشا والنقراشي باشا.

[9] انظر: نجاح محمد، الحركة القومية العربية في سورية، ج1، ص145.

[10] جريدة الحوادث الحلبية، عدد 21 حزيران 1948.

[11] وقد كتب مؤلفان هما الأستاذ Marlantoni (الإيطالي) والأستاذ Oberson في كتابهما «ما لم يُقَلْ عن الخلاف العربي الإسرائيلي»، باريس 1992، ص78 ما يلي:
«ولو تمَّ الاعتراف بهذه الحكومة، لتغيَّر كل شيء. ولكن لم تجرؤ دولة عربية واحدة على الاعتراف بها ولو قُدِّر لها أن تعيش لكانت أخذت بيدها باكرًا قضية الدفاع عن فلسطين تجاه العالم، ولكنها ماتت فور ولادتها».

[12] مذكرات محمود رياض عن أعوام 1948-1978، المؤسسة العربية للنشر، بيروت 1981، ص14.

[13] في كتابهما المشار إليه قبلًا Le non-dit du Conflit lsraelo-Arabe المنشور في باريس عام 1992، ص77 و81.

[14] ويذكر الأستاذ عادل عسيران في مذكراته (صباح الخير، 2 كانون الثاني 2001) أن الملك عبد الله فاجأه هو ورياض الصلح بقوله: «هل تريد مني أن أحارب أبناء عمومتي؟».

[15] المذكرات، دمشق 1990، ص78 و79.

[16] انظر: محمد حسنين هيكل، المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، القاهرة 1996، ج2، ص118.

[17] طباعة Vielle Taupe، باريس 1994.