الفصل الحادي عشر، الجزء 11: البند الأول: المؤامرة العراقية
البند الأول: المؤامرة العراقية
ظلَّ تمرُّد سورية على الأحلاف الغربية التي يمثِّلها في المنطقة العربية عراق نوري السعيد كابوسًا يؤرِّق الساسة الغربيين وأنصار نوري السعيد. وقد اتجه العمل التخريبي ضد سورية إلى القضاء على نظامها السياسي وجهتين:
الأولى: تهيئة العسكريين السوريين الفارين إلى العراق خاصة. ويذهب المؤلف البريطاني باتريك سيل إلى «أن عدد الضباط السوريين المنفيين خارج البلاد بفعل الانقلابات العسكرية يفوق عددهم في الجيش السوري»[1].
الثانية: تجنيد بعض المتنفذين في الداخل من أجل مساندة عمل عسكري محتمل. وفوجئ الوسط السياسي بأنباء مؤامرة محبوكة، وضع القضاء العسكري يده عليها.
وقد أدلى رئيس الحكومة صبري العسلي ببيان مفصل عنها في جلسة سرية عقدها مجلس النواب يوم 22 تشرين الثاني 1956[2].
وجاء في هذا البيان ما يلي:
1. عمل الجهاز العسكري في السفارتين العراقيتين بدمشق وبيروت على حبك مؤامرة للإطاحة بالنظام السوري.
وقد بدأت خيوط هذه المؤامرة تنسج بدأ من شهر آذار 1956 على أصابع عسكريين عراقيين كبيرين هما اللواء غازي الداغستاني والعقيد صالح مهدي السامرائي.
2. في نيسان وحتى تموز 1956 بدأ الاتصال بأديب الشيشكلي في سويسرا، وهناك دفع له الداغستاني مبلغ ثلاثين ألف دينار.
وقد حضر الشيشكلي إلى بيروت وقرَّر المتآمرون فيها القيام باغتيال عدد من العسكريين والمدنيين وعلى رأسهم أكرم الحوراني وخالد بكداش وعبد الحميد السراج.. (وهذه الأسماء وردت على لسان رئيس الوزراء).
3. من أركان المؤامرة جماعة «حكومة سورية الحرة» التي شكلها العقيد محمد صفا في بغداد في أيام الشيشكلي.
4. كانت بريطانيا وأميركا على علم بالتخطيط للمؤامرة. وقد وافقتا على منع أي تحرُّك تركي أو إسرائيلي في هذه المرحلة.
5. جادل ميخائيل ليان في موضوع ساعة البدء بالعمل الفعلي وأصرَّ على أن يكون يوم 30 تشرين الأول 1956.
6. صادرت الحكومة السورية عدة سيارات كبيرة محملة بالأسلحة قادمة من العراق وتمَّت مصادرتها في البادية الشرقية ومحافظة جبل الدروز.
7. وقد اتخذت الحكومة العراقية تدابير مساعدة في حالة انفجار الوضع الداخلي في سورية، ووضعت لواء من الجيش على الحدود السورية العراقية.
وكان النواب بين مصدِّق من دون تحفظ بأن المؤامرة صحيحة، وبين متشكِّك في أقوال المكتب الثاني (أي جهاز الأمن السري).
ومع أنني كنت عضوًا في الوزارة، فإن رئيسها العسلي لم يشأ أن يضيف شيئًا عما قاله في مجلس النواب. لذلك لم يبق أمامنا، إلا أن ننتظر صدور قرار المحقق العسكري، لتتكشف الملابسات بصورة أوضح.
وصدر قرار الاتهام في 22 كانون الأول 1956 وهو يتضمَّن توجيه تهمة جناية التآمر إلى 47 شخصًا بينهم ثلاثة عشر من أعضاء مجلس النواب[3].
ولم يكن بينهم إلا واحد من حزب الشعب هو الدكتور عدنان الأتاسي. وقد كان معروفًا لدينا بكراهيته للاتجاهات اليسارية والسياسة السوفياتية لكنا لم نكن نظنُّ أنه يمكن أن يتورَّط في مؤامرات خطرة.
وبادر رئيس الوزارة فقدَّم استقالة الحكومة وعاد فشكَّلها في 31 كانون الأول 1956.
ولم يشترك حزب الشعب في الوزارة الجديدة.
وقد حضرت بعد سنتين مجلسًا لوزراء الوحدة في القاهرة، بعد أن أبعد صبري العسلي من منصب نائب رئيس الجمهورية، طالب فيه أكرم الحوراني والوزراء العسكريون بوجوب إحالة صبري العسلي إلى محكمة أمن الدولة، بتهمة تورُّطه في هذه المؤامرة وقبضه الأموال العراقية، وهذا ما تحدَّث به بعض المتهمين العراقيين وأذيعت أقوالهم من راديو بغداد بعد الإطاحة بالنظام الملكي في 14 تموز 1958.
وكنت أستمع إلى المناقشة وأنا في حالة ذهول. وكان من حسن حظي أنه لم يطلب إليَّ أحد إبداء رأي خلافًا لما كتبه بعض مَن أرَّخوا لتلك الحقبة..
وللأمانة، فإن الرئيس عبد الناصر هو الذي حمى صبري العسلي ورفض محاكمته، لأن «ذلك أصبح من الماضي.. والبارحة كان نائبًا لرئيس الجمهورية، واليوم يحاكم بتهمة الخيانة.. هذا شيء غير معقول».
وأصرَّ على عدم إحالته إلى القضاء، لكنه أخرجه من الحكومة.
وقد جمعتني الصدفة بالرئيس العسلي في بلودان بعد تركه الحكم، وكان حاضرًا في الجلسة رشدي الكيخيا ورشاد برمدا.. فراح ينتقد الوحدة ويشنّع على الرئيس عبد الناصر والمصريين بأنهم «أخذوا القطن السوري الطويل التيلة وأعطونا قطنًا مصريًّا قصير التيلة..». عندها شرحت له كيف حماه الرئيس من المحاكمة.. وأوضحت له قصة القطن التي يعرفها جيدًا.. وخلاصتها أن سورية كانت في حاجة إلى حديد مبروم من قياس معين.. من تشيكوسلوفاكيا. وهذه الدولة غير راغبة في قطن قصير التيلة (وهو القطن السوري خلافًا لما قاله العسلي) فأعطتها مصر قطنًا طويل التيلة من قطنها الجيد، وباعت قطننا إلى كوبا وقبضت ثمنه.. فالصفقة كانت إذن ربحًا واضحًا لسورية بفضل القطن المصري.
وجرت للمتهمين محاكمة أمام محكمة عسكرية ترأسها العقيد عفيف البزري وكان النائب العام فيها اللواء محمد الجراح.
وأصدرت المحكمة يوم 27 شباط 1957 حكمها في القضية، وهو يقضي بإعدام 18 متهمًا.
لكن أحكام الإعدام تبدلت إلى أشغال شاقة مؤبدة بقرار من وزير الدفاع.. وقد حدثني ذات يوم الرئيس عبد الناصر، وأنا أنقل إليه رسالة شخصية من الرئيس الأتاسي بشأن ولده عدنان أيام الوحدة، أنه تدخل شخصيًّا لدى الحكومة السورية لمنع تنفيذ أحكام الإعدام.
وأساسًا فقد قرّر نقل المحكومين في أوائل أيام الوحدة إلى القاهرة واعتبرهم لاجئين سياسيين، ودفع لهم مرتبات شهرية.. وهذه قصة تستحق أن أقف قليلًا عندها.
في أوائل الوحدة مع مصر، طلب إليَّ الرئيس الأتاسي أن أزوره في بيت ولده السجين.. وكنت وزيرًا للعدل.. وكلفني بنقل رسالة منه إلى الرئيس عبد الناصر.
وفعلًا دعينا إلى مجلس وزراء يعقد في القاهرة.. وفي فترة الاستراحة دخلت على الرئيس في غرفته.. ونقلت إليه رسالة الأتاسي.. فسألني عن انطباعاتي عن المحاكمة كوزير للعدل.. فقلت له بكل أمانة.. كانت محاكمة لم تتوفَّر فيها الضمانات القانونية التي ترضي الضمير[4].. وذكرت له أن الشعب فرح جدًّا بهذه الوحدة، ومن حق أسر هؤلاء «السياسيين» أن تفرح.. ولم يتردَّد في قوله: نفرج عنهم.. وهنا دخل صبري العسلي وكان نائبًا لرئيس الجمهورية، فاشترك في الحديث لكنه اقترح تأجيل موضوع الإفراج في الوقت الحاضر.. وكان اقتراحًا محزنًا. فسكت الرئيس على مضض.
لكن الرئيس لم ينس وعده، فأفرج عنهم بأخذهم إلى القاهرة بعد مدة..
وقد كشفت وزارات الخارجية الغربية النقاب عن بعض الوثاق السرية لمرور 25-30 سنة عليها[5]. لكنها لا تزال تحتفظ بسرية الوثائق الأكثر خطورة.
وتروي الوثائق أن رجل المخابرات كاسن دفع لبعض السوريين أموالًا لتجنيده في المؤامرة. وقد ورد اسم مأمون الكزبري ولطفي الحفار وميخائيل ليان وصبري العسلي وعدنان الأتاسي. وغيرهم.
وجاء في كتاب الماسونية والماسونيون في الوطن العربي لمؤلفه الأستاذ حسين عمر حمادة[6] ما يلي:
وزارة الخارجية العراقية
المستمسك رقم 88 تاريخ 29/8/1955
سلم الملحق العسكري في بيروت وفي حضور الجمالي ما يلي:
2546 دينار إلى معالي ميخائيل ليان.
1000 دينار إلى نذير فنصة.
وقد سمعنا كثيرًا عن هذه المستمسكات، مع شديد الأسف، من إذاعة بغداد. وقد قدمت إلى المحكمة العسكرية التي رئسها العقيد فاضل عباس المهداوي[7].
وأنقل عن كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل، نقلًا عن وثائق غربية ما يلي:
من تقرير رفعه فاضل الجمالي إلى نوري السعيد:
«اجتمع عندي في فندق الجبل في برمانا اللبنانية صبري العسلي رئيس وزراء سورية ومعه السيد ميخائيل ليان بحضور أحمد مختار باشا ودام الاجتماع إلى الواحدة ليلًا.. وها أنا ألخص لفخامتكم الوضع:
استعرضنا إمكان استخدام جيش عراقي، فلم نجد إمكانا لذلك..
ولا يمكن استغلال أي عدوان إسرائيلي على سورية، لأن ذلك قد يؤدِّي إلى صراع دولي تكون فيه الغلبة لإسرائيل..
لذلك يجب العمل على كسب الجيش السوري وتكتيله إلى جانب «أصدقائنا». وفي رسالة رفعها جون فوستر دالاس إلى الرئيس أيزنهاور ما يلي:
«إن الشرق الأوسط أصبح هدفًا أساسيًّا للتطلعات الشيوعية في الآونة الأخيرة. وقد استغل الشيوعيون الصينيون والسوفيات كل الفرص المتاحة لبثِّ التفرقة وعدم الاستقرار في المنطقة.. ونحن نتابع التطوُّرات الجارية في سورية بقلق إذ إنها تمس سلام المنطقة وهدوءها ورخاءها».
وبعث دالاس (وزير خارجية أميركا) ببرقية إلى سفير أميركا في لندن لإطلاع الحكومة البريطانية على نوايا بلاده بتاريخ 21 آب 1957 جاء فيها:
«إننا نشعر بقلق شديد للأحداث الجارية في سوية. ويبدو أنه ليس هناك أمل في التصحيح من الداخل، وعلينا أن نفكر في الإمكانات الخارجية التي تتمثَّل في القلق الشديد الذي تشعر به الدول الإسلامية التي لها حدود مشتركة مع سورية. وقد يلزم أن نكون مستعدّين لتحمل قدر من المخاطرة الجدية تجنُّبًا لمخاطر وأخطار أكبر فيما بعد».
ونقل سفير الولايات المتحدة إلى وزارة خارجية بلاده حديثًا أفضى به إليه بن غوريون جاء فيه:
«إنه يستحيل التمييز بين سورية وروسيا. فإسرائيل هي الهدف النهائي للأسلحة التي تتدفَّق من الاتحاد السوفياتي على سورية..
والمطلوب هو تحرُّك أميركي قوي على غرار التحرُّكات التي أوقفت السوفيات عند حدِّهم».
وجوابًا على هذه البرقية، أوفدت الخارجية الأميركية مندوبها لوي هندرسون إلى منطقة الشرق.
وقد تضايق الرئيس عبد الناصر من هذه الحملة الشديدة على سورية، وشرح للسفير الأميركي ريموند هير قلقه بأنه «لا يفهم مبررًا لهذه الحملة على هذا البلد.. وأنه يخشى أن تكون هناك خطط لغزو سورية بدعوى الشيوعية الدولية والشيوعية المحلية. وقال له إنه يؤكِّد له أن ليس هناك ما يبرر مثل هذه الادعاءات.. «وأن مصر لا يمكن أن تقف ساكتة إزاء هذه المخاطر التي تحدق بسورية»[8].
وقد ترافقت أحداث هذه المؤامرة مع أحداث حرب السويس.. تسهيلًا لمهمة إسرائيل وحليفتيها فرنسا وإنكلترا.. لكنها خنقت في مهدها.
الحواشي:
[1] الصراع على سورية، ص352. ومن المؤكَّد أن في هذا القول مبالغة سمجة، ولكن مما لا شكّ فيه أن تعاقب الانقلابات أساء إلى جهاز القوات المسلحة.
[2] طبعًا كان رئيس مجلس الوزراء المذكور يحدثنا في مجلس الوزراء عن بعض أنباء المؤامرة، ولكنه كان دومًا يتعمَّد الإيجاز بحجّة أن القضاء واضع يده على القضية.
[3] المتهمون من النواب هم:
عدنان الأتاسي، سامي كبارة، ميخائيل ليان، صبحي العمري، هايل السرور، حسن الأطرش، فيصل العسلي، فرزت المملوك، الشاعر بدوي الجبل (محمد سليمان الأحمد) نوري بن مهيد، عادل العجلاني، فضل الله جربوع، حامد منصور. ومن المتهمين المدنيين عثمان العائدي وأديب الشيشكلي وبعض العسكريين المنفيين: محمد معروف، ومحمد صفا، وحسين الحكيم، وصلاح الشيشكلي.
[4] فقد قبلت المحكمة محامين عن الادعاء الشخصي، أحدهم عبد الفتاح الزلط من حلب، مع أن القاعدة القانونية أن هذا الادعاء لا يقبل أمام المحاكم العسكرية الاستثنائية. ولا أحد يدري من هو هذا المدعي الشخصي الذي تضرَّر في حقوقه المدنية. وقد حضر من لبنان محام مشهور للدفاع عن المتهمين - وهذا حقهم - هو الدكتور إدمون رباط، فأهين على الحدود كما شتم على باب المحكمة من قبل عناصر مجهولة. وبعدها لم يعد من لبنان، ولم يستطع محام يحترم نفسه قبول التوكيل في هذه القضية، مع أن القانون يشترط وجود المحامي.
وأنا نفسي اعتذرت عن التوكل عن هايل السرور، لشعوري بأن الضمانات القانونية مفقودة.
[5] نشرت جريدة «الشرق الأوسط» السعودية عام 1989 طائفة من هذه الوثائق. كما نشر الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه «سنوات الانفجار» ملحقًا يتضمَّن كذلك مجموعة من الوثائق المهمّة.. وعلى سبيل المثال: الوثيقة رقم 20 (تحريض إسرائيل على سورية بتاريخ 22/8/1957) والوثيقة 2 (الخاصة بالمباحثات بين مبعوث أيزنهاور لوي هندرسون وشارل مالك حول الوضع في سورية بتاريخ 28/8/1957) والوثيقة 23 (حديث هندرسون مع كميل شمعون رئيس جمهورية لبنان بتاريخ 29/8/1957) والوثيقة رقم 25 (صورة عن الشيكات التي قبضها عبد الحميد السراج من الملك سعود للقضاء على عبد الناصر). وقد تسلَّمت حين أصبحت وزيرًا للخزانة أيام الوحدة مبلغ مليون وتسعمئة ألف إسترلينية كمورد استثنائي، فتعدل به عجز خزينة الدولة و«بلع» الوسطاء منه مبلغ مئة ألف، كما قال لي عبد الحميد السراج، حين سألته عن النقص. وكانت هذه القضية نعمة وبركة على الخزينة السورية.
[6] طبع في دمشق ونيقوسيا عام 1986، ص208.
[7] وقد نشرت وقائع هذه المحاكمة في عدة مجلدات.
[8] سنوات الغليان، ص235-256.