الفصل العاشر، الجزء 3: انقلاب سامي الحناوي والجمعية التأسيسية 1949
الفرع الثاني
انقلاب سامي الحناوي
فيما كان حسني الزعيم يعمل على تمتين قبضته في الداخل، والتقرُّب إلى مصر والسعودية على الصعيد العربي، فوجئت البلاد بتحرُّك جديد لفصائل الجيش في فجر 14 آب 1949 ضد نظامه، وتمَّ اعتقاله مع رئيس وزرائه محسن البرازي.. وجرت لهما «محاكمة عادلة» من قبل «المجلس الحربي الأعلى» الذي استولى على السلطة، وتمَّ إعدامهما في الحال[1].
وجاء في البلاغ رقم 1 أن «جيشكم الباسل قام بالانقلاب يوم 30 آذار لينقذ البلاد من الحال السيئة التي وصلت إليها. لكن زعيم ذلك الانقلاب أخذ يتطاول هو وحاشيته على أموال الأمة ويبذرها بالإثم والباطل ويعبث بالقوانين وحريات الأفراد. وقد أتمَّ الله للجيش ما أراد فأنقذ شرف البلاد وآلى على نفسه أن يسلِّم الأمر إلى الأحرار المخلصين من رجالات البلاد.. ويعود إلى ثكناته».
وكثيرًا ما تردَّد السؤال عن هذه «المحاكمة العادلة» التي تقرَّر فيها إعدام الزعيم والبرازي. والذي عرفته، إثر تحرِّياتي الخاصة، أن الزعيم الحناوي كان على رأس الحركة الانقلابية فعلًا، ولم يضم إليها بعد وقوعها.. وكان يومها قائدًا لقوات الجبهة مع إسرائيل. وقد استدعاه حسني الزعيم لمقابلته يوم 13 آب، فمرَّ على بيت عديله الدكتور أسعد طلس (وكان صديقي وزميل دراستي في جامعة باريس)، وهو ممسك بقلبه خشية أن تكون أنباء المؤامرة قد بلغت مسامع الزعيم من إحدى القنوات السرية.. وقد أخبر الدكتور طلس بنبأ مشروع الانقلاب، واستحلفه بأن يعده برعاية أولاده من بعده، فيما إذا قتله حسني الزعيم. وظفر بالوعد المطمئن، وتوجَّه إلى المقابلة في رئاسة الأركان، وبعد ساعة عاد إلى بيت طلس والبهجة بادية على ملامحه، لأن الزعيم استدعاه من الجبهة «ليريه عصا الماريشالية والبدلة العسكرية التي اختارها لرتبة المشير، التي منحها لنفسه».. ورجع الحناوي على الفور إلى الجبهة، وفي الصباح التالي (14 آب) تحرَّكت القوات الانقلابية، واستولت على المراكز الهامة في المدينة، وقبض بعض الضباط على حسني الزعيم ومحسن البرازي، وأعدموهما من دون محاكمة.. وحين عاد الحناوي ضحى يوم الانقلاب إلى رئاسة الأركان بدمشق، وعلم بالإعدامين تملَّكه الغضب وانفجر في وجوه ضباطه، وأخرج مسدسه من جيبه وهدَّد بإطلاق النار على نفسه، احتجاجًا على سفك الدماء من دون جريرة أو محاكمة.. وبذلك تمكَّن من إيقاف دوامة العنف والتصفيات الجسدية، وهكذا تمكَّن عديل حسني الزعيم الذي كان يشغل منصب مستشاره الخاص نذير فنصة وغيره، من النجاة من الموت في اللحظة الأخيرة، بتدخُّل شخصي من الحناوي، المعروف بالطيبة والتديُّن والخوف من الله.
وتعدَّدت الروايات في كيفية قتل حسني الزعيم والدكتور محسن البرازي.
وأنقل هنا ما سمعته من الضابط عصام مريود في بيت اللواء راشد الكيلاني في اليوم الثالث من أيام عيد الأضحى عام 1417 هجرية (19 نيسان 1997).
قال: «كنا مجموعة من الضباط الشباب، ناقمين على حسني الزعيم، لأننا لم نكن نريد هذا الانقلاب الضار. وبعد أن استولى على الحكم، بدأنا نسمع عن اتصالاته بفرنسا وإسرائيل. فقرَّرنا إعادة الوضع الشرعي بانقلاب آخر، وأرسلنا إلى شكري القوتلي نسأله إن كان يريد أن يعود إلى الحكم، لتعود الشرعية، فرفض «بسبب الجبن الذي أصابه» - كما قال المتحدِّث - واتصلنا بزعماء حزب الشعب رشدي الكيخيا وناظم القدسي وهاشم الأتاسي[2]، فرفضوا قبول تشكيل حكومة.
ومع ذلك قرَّرنا السير في العملية..
وسألته مقاطعًا: ماذا تعني في قولك «قرَّرنا»؟ هل كنتَ أنت الذي يقرِّر، أم كنتم مجموعة من الضباط، ومَن هم أبرزهم؟
قال: كان في المجموعة ضباط عديدون، منهم فضل الله أبو منصور وأمين أبو عساف ومحمد معروف وحسين الحكيم وغيرهم.
وأضاف: واتفقنا على ساعة الصفر. غير أن عددًا من المشتركين معنا، هربوا أثناء التنفيذ، وصمدنا نحن بقية المجموعة.
وبدأنا التحرُّك فجرًا، فتوجَّهت أنا إلى بيت محسن البرازي، وأخذته هو وولده خالد. وكان الولد خائفًا، فطمأنته وقلت له أنت مثل ولدي فلا تخف مني..
وفي طريقنا إلى المزة، استوقفتنا قوات فضل الله أبو منصور، ولم يكن معي إلا مسدسي، فأخذوا منا محسن البرازي، وبقي معي ولده خالد، فأخذته إلى بيتي..
وكنا مقررين إعدام حسني الزعيم وحده. ولم نقرِّر إعدام محسن البرازي. ولذلك فإن الصدفة التعيسة هي التي أعدمته.
وكان فضل الله أبو منصور (وهو سوري قومي) اعتقل حسني الزعيم.. وفي سهل المزة، وعلى المقبرة الفرنسية، تمَّ إعدام الاثنين بالرصاص.. ربما انتقامًا لأنطون سعادة، زعيم الحزب السوري القومي، الذي سلَّمه حسني الزعيم إلى السلطات اللبنانية، فأعدمته».
وقد أصدر سامي الحناوي، القائد العام للجيش والقوات المسلحة المرسوم التشريعي رقم 1 تاريخ 14 آب 1949 خوّل بموجبه «المجلس الحربي الأعلى» كافة الصلاحيات التشريعية والتنفيذية وسلطة إصدار المراسيم التشريعية ريثما تتألَّف الحكومة الدستورية.
وقد دعا عدد من الساسة إلى اجتماع في رئاسة الأركان يوم الأحد 14 آب نفسه، كان بين الذين حضروه فارس الخوري وحسن الحكيم وذكي الخطيب ومنير العجلاني وفيضي الأتاسي. ومعروف الدواليبي وشاكر العاص وأكرم الحوراني وصلاح البيطار وسامي كبارة.
وفي هذا الاجتماع تكلَّم اللواء عبد الله عطفة باسم الجيش فأكَّد «بأننا لا نفكِّر بأي منصب عال، ومبدؤنا التضحية. وما هدفنا سوى إقامة حكومة تنال ثقة الشعب وتعيد للأمة الحرية والحياة الدستورية».
وجاء في محضر هذا الاجتماع:
«أنه بعد الوثوق من حسن نيّة رجال الجيش، كلّف هاشم الأتاسي بأن يتولَّى الوزارة. وعلى الأثر صدرت المراسيم بتأليف الوزارة الجديدة برئاسته، على الشكل التالي:
هاشم الأتاسي للرئاسة
خالد العظم للمالية
رشدي الكيخيا للداخلية
ناظم القدسي للخارجية
سامي كبارة للعدلية
فيضي الأتاسي للاقتصاد الوطني
عادل العظمة وزير دولة
فتح الله أسيون وزير دولة
أكرم الحوراني للزراعة
ميشيل عفلق للمعارف
مجد الدين الجابري أشغال عامة
وتولَّى اللواء عبد الله عطفة وزارة الدفاع
وقد نصَّت المادة 2 من المرسوم 7 تاريخ 14 آب 1949 المتضمِّن تشكيل الوزارة بقرار صادر عن اللواء سامي الحناوي قائد الجيش «على تخويل مجلس الوزراء صلاحيات رئيس الجمهورية والسلطتين التنفيذية والتشريعية، ريثما تعود الحياة النيابية للبلاد».
وأذاعت الوزارة بيانًا إلى الشعب أكَّدت فيه «اقتناع أعضائها بصدق نيّات القادة العسكريين واتجاهاتهم الحسنة نحو إعادة البلاد إلى حياتها الدستورية. وهي إذ تتقدَّم إليكم مزوّدة بصلاحيات رئيس الجمهورية وبالسلطتين التنفيذية والتشريعية لتعلن أنها حكومة مؤقتة مهمّتها أن تعدَّ العدّة لإقامة أوضاع دستورية مشروعة في البلاد. وأنها سوف تعمد إلى دعوة الأمة إلى انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستور البلاد في جوٍّ من الحريات العامة..».
وقد اعترفت البلاد العربية بالوضع الجديد، كما اعترفت به بريطانيا وأميركا وفرنسا.
وأول ما فعلته هذه الحكومة أنها أطلقت حرية الصحافة من دون أي قيد عليها، سوى ما يفرضه قانون العقوبات. وهو قيد نظري، لأن القضاء كان يقف إلى جانب «حرية الرأي والصحافة».
وكان حسني الزعيم قد ألغى بعض الصحف وأبقى أربعًا منها فقط وفرض عليها قيودًا شديدة.
وقد سئل ناظم القدسي عن سبب اشتراكه وزميليه الكيخيا وفيضي الأتاسي في حكومة شكَّلها انقلابيون فقال: أدركنا أن الانقلاب لا يزيله إلا الانقلاب، ويقول: «دعينا إلى دمشق، رشدي الكيخيا وأنا. وقد شاهدنا في مقرِّ الأركان العامة أعدادًا كبيرة من السياسيين المختلفين ووجدنا أن المشاورات واسعة على خلاف ما جرى في انقلاب حسني الزعيم.. واجتمعنا رشدي وأنا مع الحناوي، وبيَّنا له مساوئ الانقلاب فسألنا ما هو المطلوب؟ قلنا له: إن طلبنا هو عدم تدخُّل العسكريين في أمور السياسة فقام وأحضر نسخة من القرآن وأقسم عليه بأنه لن يترك العسكريين يتدخَّلون في أمور السياسة. والحقيقة أن الأتاسي كان يتمتَّع بحرية مطلقة في تشكيل حكومته، ولم نلمس أي تدخُّل من العسكريين. والدليل أننا أدخلنا ميشيل عفلق وأكرم الحوراني في الوزارة. وهذه خطيئتي لأنني أنا الذي رشَّحتهما لهاشم بك ولم يكن رشدي معارضًا لهذا الترشيح أو موافقًا عليه. وقلت للرئيس «إن الرأي العام لن يقبل جميع الوجوه القديمة».
وحدَّثني أحمد قنبر في مقابلة معي قائلًا ما يلي:
أبلغنا دعوة القيادة العسكرية إلى دمشق بواسطة العقيد فيصل الأتاسي في ساعة مبكِّرة من صباح الانقلاب وقد توجَّهنا بطائرة عسكرية بعد الظهر، رشدي الكيخيا وناظم القدسي ومصطفى برمدا وعبد القادر الأسود وأنا، وحضرنا اجتماع الأركان.
وأسرع الحزب الوطني إلى دعوة أعضائه إلى المؤتمر الرابع، وأذاع في ختامه بيانًا مؤرخًا في 10 أيلول 1949 جاء فيه:
«لقد أصبح ثابتًا إن سورية ليس في مقدورها وحدها أن تقف في وجه الزعازع التي تتهدَّدها، ولا بدّ لها من اتحاد سليم يضمن السيادة على الوجه الأوفى، تعقده مع العراق الشقيق وتتناول الأسس الأربعة التالية:
وحدة في رئاسة الدولة
وحدة في الشؤون العسكرية
وحدة في الشؤون الخارجية
وحدة في الأمور الاقتصادية
ولم يصدر أبدًا أي بيان من حزب الشعب كهذا البيان. ومع ذلك فإنه ظلَّ «متهمًا» بالسعي للاتحاد مع العراق.
وقد قدَّمت مصر مشروع «ميثاق الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي» بين الحكومات العربية.
ووافق عليه مجلس الجامعة العربية في 12 نيسان 1950، لإنهاء التوتُّر في العلاقات العربية، وبذلك خفتت بدعة «الهلال الخصيب».
وتقول الدكتورة نجاح محمد[3]:
«هناك إجماع في المصادر على دور العراق في الإعداد لهذا الانقلاب، وذلك لأنه - أي العراق - لا يمكن أن يسكت على عداوة الزعيم له وانحيازه التام للمحور السعودي - المصري».
وهي تنسب هذا الرأي إلى مقابلة معي في بيتي بتاريخ 5/2/1977، وإلى غيري من رجال السياسة.
لكني لا يمكن أن أقول هذا القول، لأنني فعلًا لا أعرف حقيقة ما جرى ولا مَن دفع إليه. وقد كنت طلبت من المؤلفة أن تطلعني على نصِّ المقابلة، إلا أنها لم تفعل. فجاء حديثها استنادًا إلى أقوالي، مغايرًا للواقع.. لأن الغموض يلفُّ دومًا دوافع الانقلابيين.
يضاف إلى ذلك أنني لم أكن حاضرًا تلك الجلسة التي شرح فيها الحناوي أسباب انقلابه.
ومع ذلك فقد كان هناك شعور غامض بأن العراق قد يكون وراء الحناوي. غير أن الدكتور القدسي أكَّد لنا واقعة تحليفه على القرآن بأنه لن يتدخَّل في سياسة الدولة، ولن يسمح لأعوانه من الضباط أن يفعلوا ذلك.
وحين آنست حكومة الأتاسي أن الوقت قد حان لإجراء انتخابات عامة تعرب فيها البلاد عن أمانيها وأهدافها، أعلنت عن موعد إجرائها في 15 تشرين الثاني 1949، وكان الهدف الأساسي من التصويت العام هو انتخاب جمعية تأسيسية تضع للبلاد دستورًا جديدًا، وقرَّر الحزب الوطني مقاطعة الانتخابات، فأحسن بذلك صنعًا لأنه، وقد مات بطله سعد الله الجابري منذ ثلاث سنوات، وغادر رجلاه القويان شكري القوتلي وجميل مردم البلاد، لم يبقَ له من الزعماء الأقوياء إلا الدكتور عبد الرحمن الكيالي في حلب وصبري العسلي في دمشق، وقد فشل الأول في انتخابات عام 1947، وكان الثاني يتأرجح بين السقوط وبين نجاح ضعيف.
ولذلك وجد «الحزب» من مصلحته أن يغطِّي وضعه بالمقاطعة[4].
وقدَّم حزب الشعب قوائم متماسكة، كان فيها للطبقة الشعبية مكان مرموق رعاه رشدي الكيخيا شخصيًّا.
وجرت الانتخابات في جوٍّ ديمقراطي.. وأسفرت عن فوز واضح لقوائمنا في حلب وحمص واللاذقية وإلى حدٍّ ما في دمشق.. وبعض الأقضية، كالباب وإدلب ومنبج وعين العرب.. وجبل سمعان.
وكان الوجه الشاب القادم من حمص هو راتب الحسامي الذي يتمتَّع بسمعة طيِّبة، وقد أصبح نائبًا لرئيس مجلس الأمة بعد قيام الوحدة بين مصر وسورية. وكان الوجه الآخر القادم من اللاذقية هو محمد الشواف الذي سرعان ما احتلَّ في نفوسنا مكانة عالية لاستقامته ودماثة أخلاقه ولم يتأخَّرا عن الاندماج في حزب الشعب..
ويجدر بي أن ألقي بعض الضوء على واقع الانتخابات في تلك الأيام.. فهناك العشائر والمناطق والمدن الصغرى. وهي حساسة جدًّا بالنسبة إلى أوضاعها المحلية.
فنواب العشائر مفروضون على عشائرهم بحكم الزعامة المتوارثة، التي كان قانون العشائر يحميها ضمنًا.. وهم دومًا مع السلطة الحاكمة.. ومرشحو المناطق يتصارعون محليًّا، بفعل النفوذ الأسري.. حتى حين أخذ المتعلمون من أبنائها يترشَّحون بدلًا من آبائهم، فقد كانوا يعتمدون على أوضاعهم الإقليمية.. ولا تكون الحزبية التي أخذوا يرفعون شعارها إلا مجرّد لافتات.
ونحن في حلب كان لنا مرشحون عن الحزب في مختلف المناطق. وقد تجوَّلنا في العديد منها لدعم مرشحي حزبنا وشرح مبادئه للناخبين. لكني أعتقد أن هؤلاء المرشحين يحسبون حسابهم ليظهروا للناخبين بأنهم مؤيدون من قبل السلطة.. أكثر من تأييد الحزب.
وحين تسفر الانتخابات عن نجاح المرشح المحظوظ، فإنه في الغالب يقف إلى جانب الحكومة.. وبذلك يصبح عامل استقرار سياسي.. لكن لكل قاعدة استثناءات: فهناك من نواب المناطق مَن كانوا حزبيين قلبًا وقالبًا، مثل شاكر العاص (نائب الجولان) وشكري الرحمو (نائب الباب) وعبد الحميد دويدري (نائب إدلب) والدكتور محمد العاشوري (إدلب) ورشاد برمدا (حارم) وعبد العزيز الحلاج (جبل سمعان) وعثمان حسن إسبر (جبلة)، وهؤلاء كلهم شعبيون. ومن البعثيين أذكر دحام الدندل (نائب الميادين).
غير أن المعركة الانتخابية الحقيقية هي تلك التي كانت تدور في المدن الكبرى..
ومما يلفت النظر أن ميشيل عفلق سقط في انتخاباتها مع أنه كان عضوًا في الوزارة. ويعلِّل خالد العظم سقوطه «بعدم وجود قوة سياسية في دمشق لحزب البعث»[5].
وسقط في حلب مرشح حزب البعث أديب النحوي ومرشح حزب أكرم الحوراني عبد الفتاح الزلط، كما سقط مرشح الشيوعيين أحمد محفل.
وأرسلت حماة إلى مجلس النواب زعماء معسكريها المتناحرين، أكرم الحوراني زعيم الاتجاه الشعبي ورئيف الملقي من جهة، وعبد الرحمن العظم وحسني البرازي من زعمائها الإقطاعيين[6].
وقد رافقت حسني البرازي في عدة دورات نيابية.. وهو بلا ريب رجل قوي الشكيمة متين الأعصاب، يحفظ ديوان المتنبي ويستشهد به.. وكثيرًا ما يكون استشهاده به حجة دامغة.. لكنه كان مؤذيًا في إيماءاته.. وبذلك أوجد لنفسه خصومًا كثيرين في المجلس! وقد أساء عدة مرات إلى المرحوم الشيخ مصطفى السباعي. وكان السباعي فقيهًا في الشريعة، وصاحب نظرات متطوِّرة وآفاق فقهية منفتحة على العصر. وأودُّ أن أذكر بالخير كتابه الرائع، الذي سمَّاه «اشتراكية الإسلام» فدلَّ به على عقلية إسلامية تقدمية.
واجتمعت الجمعية التأسيسية يوم 12 كانون الأول 1949، ولم يكن لحزب الشعب فيها أكثرية. فقد كان عدد أعضائه 35 وكان عدد المتعاطفين معه 20 من عدد النواب البالغين 114 نائبًا.
وقد كان رشدي الكيخيا محطّ أنظار جميع النواب، وموضع إعجابهم وتقديرهم، لذلك تمَّ انتخابه رئيسًا للجمعية التأسيسية بما يشبه الإجماع «تقديرًا لجهوده في خدمة البلاد»[7].
ففي بداية الجلسة قال الدكتور منير العجلاني، إن المستقلين قرَّروا أن يكون مرشحهم لرئاسة الجمعية التأسيسية، مرشح حزب الشعب السيد رشدي الكيخيا، وأنهم يرجون أن يتمَّ انتخابه بالإجماع.. لأن في هذا الإجماع معنى من معاني التكريم لشخصية الكيخيا.
وقال الدكتور مصطفى السباعي، مرشد الإخوان المسلمين، إنه باسم الجبهة الاشتراكية يعلن أن جبهته ستنتخب الكيخيا.
وعند فرز الأصوات نال رشدي الكيخيا 98 صوتًا من أصل 108 حضروا الجلسة ونال السباعي صوتين، وظهرت ثمان أوراق بيضاء.
وصعد الأستاذ الكيخيا إلى المنبر، فألقى كلمة شكر قال فيها:

«إن الجمعية التأسيسية التي شرَّفتموني برئاستها، تجتمع إثر انقلابين تتاليًا في فترة قصيرة من الزمن، فكان لهما، ولما تقدّمهما من وقائع وأحداث أعمق الأثر في ضمير الشعب السوري وفي نفوس أفراد الأمة العربية جمعاء.
ونحن إذ نجتمع لوضع الدستور ولإعادة الأوضاع الشرعية، نشعر بثقل المسؤولية المترتبة على كل فرد منا أمام التاريخ وأمام الأجيال.
وإني لأرجو أن يكون دستورنا منسجمًا مع أوضاعنا.. آخذًا بالأفكار التقدمية» وصفَّقنا له تصفيقًا طويلًا، صادرًا عن محبّة وتكريم.
وقد أثنى الدكتور الدواليبي على اللواء سامي الحناوي الذي قام بانقلاب بريء طاهر، كما أثنى على الرئيس الجليل هاشم الأتاسي الذي قبل بتحمُّل أعباء الحكم في ظروف صعبة.
وأصدرت الجمعية التأسيسية أحكامًا دستورية مؤقتة بتاريخ 14 كانون الأول أنهت بها الوضع الراهن، وانتخبت الرئيس هاشم الأتاسي رئيسًا للدولة. وجاء في المادة 2 من هذه الأحكام الدستورية أنه «يمارس رئيس الدولة بمعونة مجلس الوزراء صلاحيات التشريع وصلاحيات التنفيذ».
وانتخبت هذه الجمعية لجنة عامة لوضع الدستور من ثلاثة وثلاثين نائبًا يمثِّلون الاتجاهات المختلفة. وقد فاز برئاستها الدكتور ناظم القدسي وبنيابة الرئاسة الأستاذ المجاهد سعيد حيدر وفزت بمنصب مقررها العام.
واختارت هذه اللجنة لجنة تحضيرية لتسهيل المراجعة، واختارت هذه اللجنة التحضيرية لجنة مصغّرة أسمتها «لجنة النص». وقد أناطت بي هذه اللجنة المصغّرة مهمة وضع مسودة الدستور ثم عرضها لمناقشتها. وفي هذه الفترة أصبح الدكتور ناظم رئيسًا لمجلس الوزراء، فحلَّ في منصب رئاسة اللجنة، نائب الرئيس الأستاذ سعيد حيدر.
وقمت أنا بصياغة الدستور وقدَّمته فصلًا إثر فصل إلى لجنة النص. فلما انتهت من مناقشته، عرضناه على اللجنة التحضيرية فناقشته بدورها وأقرَّته.. وتمَّ عرضه على اللجنة العامة.. من أجل تعديله وإقراره.
وقد طبعت مناقشات اللجنة العامة، جلسة فجلسة. ولمَن أراد التوسُّع أن يعود إليها.
الحواشي:
[1] صدر يوم 15 آب البلاغ العسكري رقم 2، يتضمَّن تشكيل هذا المجلس الحربي الأعلى من العقيد بهيج كلاس، العقيد علم الدين القواس، المقدم أمين أبو عساف، النقيب محمد معروف، النقيب عصام مريود، النقيب خالد جادة، النقيب محمود الرفاعي، النقيب محمد دياب، النقيب حسن الحكيم، والملازم أول فضل الله أبو منصور.
وقد كتب نذير فنصة في كتابه «حسني الزعيم»، ص98: أنه «كان يمكن لبديع بشور قائد قوات العشائر أن يغيِّر مجرى التاريخ لو قاوم الانقلابيين إلا أنه لم يفعل لسبب لا يعرفه أحد. ولم يقاوم حرس منزل الزعيم أيضًا، ومعظم أفراده من الشركس. وبالأموال التي دفعها نوري السعيد للحناوي تمكَّن هذا الأخير من شراء الحرس».
[2] أشير إلى أن الرئيس هاشم الأتاسي لم يكن أبدًا عضوًا في حزب الشعب، ولكن ولده الدكتور عدنان وابن أخيه الأستاذ فيضي، هما العضوان في هذا الحزب.
[3] الحركة القومية العربية في سورية، ص202 والهامش (1)، ص213.
[4] بيان الحزب الوطني بتاريخ 24 آب 1949 وقد عبَّر فيه عن استيائه لعدم إشراكه في الحكومة.
[5] المذكرات، ج3، ص36.
[6] من الرجوع إلى قاموس Robert الفرنسي نجد أن كلمة إقطاعية Féodallté تعني شكلًا من أشكال التنظيم السياسي والاجتماعي في القرون الوسطى في أوروبا يتميَّز بوجود نظام الإقطاعات Fiefs ومناطق يسودها متنفذون Seigneuries، وكان الإقطاع يعني في القرن الثالث عشر ملكية من الأرض الزراعية يمنحها أحد السادة الكبار إلى أحد أتباعه كرمز لتشريفه مقابل بعض الخدمات التي يؤدِّيها.
أما في سورية فقد استولى المتنفذون على أراضي الدولة، وتملَّكوها في فترات غياب سلطة قادرة على ضبط الأوضاع الاجتماعية، وكان لا بدّ من تصحيح الأوضاع الجائرة.
[7] نصوح بابيل، صحافة وسياسة، ص384.