الفصل العاشر، الجزء 4: انقلاب الشيشكلي الأول ودستور 1950

اقرأ بالإنكليزية

الفرع الثالث
انقلاب أديب الشيشكلي ودستور 1950

في هذه المرحلة من العمل، فوجئنا ببلاغ رقم 1 صادر عن العقيد أديب الشيشكلي بتاريخ 19 كانون الأول 1949 جاء فيه:

«لقد ثبت لدى الجيش أن رئيس الأركان العامة اللواء سامي الحناوي وعديله السيد أسعد طلس وبعض ممتهني السياسة في البلاد يتآمرون على سلامة الجيش وكيان البلاد ونظامها الجمهوري، مع بعض الجهات الأجنبية.. لذلك اضطر الجيش إلى إقصاء هؤلاء المتآمرين.

وليست له أية غاية أخرى. وأنه ليعلن أنه يترك الأمر في أيدي رجالها الشرعيين، ولا يتدخَّل إطلاقًا في القضايا السياسية اللهمَّ إلا إذا كانت سلامة البلاد وكيانها تستدعيان ذلك».

وفسَّر الانقلابيون حركتهم بأنهم يقتصرون فقط على الاستيلاء على مقدرات الجيش، ويتركون الجمعية التأسيسية والحكومة المدنية، كلًّا إلى مهامه من دون أي تدخُّل في شؤونهما.

وقد تحدَّث أكرم الحوراني الذي أصبح وزيرًا للدفاع في حكومة العظم قائلًا: «إن العمل الذي قام به الجيش قد جنَّب البلاد كارثة كادت تطيح بالبلاد.

واللواء الحناوي متآمر على نظام الحكم في البلاد وعلى استقلالها بتأثيرات أجنبية، كما أنه متهم بإصدار أوامر بقتل عدد من الضباط[1]. وأنا مطلع على أمور مخجلة» وقد ألقى هذا الخطاب في مجلس النواب بعد تشكيل وزارة خالد العظم.

وقد ردَّ عليه رشدي الكيخيا بقوله:

«بعد اجتماع الجمعية التأسيسية بثلاثة أيام وقع الحادث الأخير واعتقل اللواء الحناوي وأرسل إلى السجن. فهل تمَّت أفعال التهمة في هذه الأيام الثلاثة؟ لأنه ليس بين الكلمة التي وجُهِّت إليه بالشكر والتقدير وبين اعتقاله سوى ثلاثة أيام.. وإني أطلب من وزير الدفاع الذي يقول بأن هناك أمورًا مخجلة اطلع عليها، أن يكشف ما عنده ويطلع المجلس على كل ما يعرف.. حتى يعرف الجميع من هو المتآمر على سلامة البلاد ومن هو الخائن لوطنه».

وقد أخرج اللواء الحناوي من السجن العسكري وأبعد إلى لبنان في 19/12/1949. وهناك، وبينما كان ينتظر حافلة الركاب العامة في أحد شوارع بيروت، بادره أحد أقارب الدكتور محسن البرازي بإطلاق النار عليه فقتله وشكّلت الحكومة اللبنانية مجلسًا عدليًّا لمحاكمة القاتل، وأصدر حكمًا بإعدامه وبتخفيف الحكم بالأكثرية إلى الأشغال الشاقة مدة 18 سنة، وبتعويض لورثة المغدور قدره 25 ألف ليرة لبنانية. وكان زميلانا من حزب الشعب الدكتور رزق الله أنطاكي ورزق الله سالم يمثِّلان جانب الادعاء الشخصي عن آل الحناوي في هذه الدعوى[2].

ووجد النواب المؤسسون أنه ليس من الحكمة، وقد انتخبوا انتخابًا شعبيًّا حرًّا أن يتركوا البلاد أمام المجهول، فقرَّروا الاستمرار في صياغة الدستور على الرغم مما أصابهم من ذهول وإحباط، وهم يرون بعض المغامرين من قادة الجيش، يجرُّون القوات المسلحة إلى مهام ليست من طبيعة الواجب العسكري.. ويلقون بالبلاد في الهوّة المجهولة الأغوار والمصائر..

وقد فضَّل هاشم الأتاسي أن يستمرَّ في منصبه كرئيس للدولة، أملًا في أن يحدَّ من سوء تصرُّف الانقلابيين. وقد دبَّت الفوضى في نظام الحكم، وأصبح الوضع غاية في السوء. ففي العلن يؤكِّد الشيشكلي وأعوانه أنهم لا يتدخَّلون في سير أعمال الدولة. لكنهم في الخفاء يمارسون الضغوط على الحكومة بمختلف أنواع التدخل. فاليوم يرضون بهذه الحكومة، لكنهم بعد فترة قصيرة يعزلونها بالحسنى تارة، وبغير الحسنى تارة أخرى. ولم يكن أسهل عليهم من التلويح بالانقلاب.

ويجدر بي أن أنبِّه إلى أن عدد الحكومات التي شكّلت ثم استقالت أو أقيلت ما بين انقلاب الشيشكلي على الجيش في 19 كانون الأول 1949 وبين استيلائه على السلطة المدنية يوم 1 كانون الأول 1951، سبع حكومات: ثلاث شكَّلها ناظم القدسي واثنتان شكَّلهما خالد العظم وواحدة شكَّلها حسن الحكيم والأخيرة التي اشتعلت فيها النار أو أشعلتها هي وزارة معروف الدواليبي، التي انتهى معظم أعضائها وبعض الحزبيين من خارجها إلى سجن المزة. وكانت مرحلة من أكثر مراحل تاريخنا كآبة.

ويسترعي الاهتمام أن رئيس الجمهورية كلف غداة الانقلاب على القوات المسلحة ناظم القدسي بتشكيل حكومة. وشكَّلها بعد اتصالات طويلة بتاريخ 24 كانون الأول 1949 من أكثرية شعبية ومحمد المبارك (عن الإخوان المسلمين) واثنين من المستقلين هما زكي الخطيب ومحمود العظم.

لكن هذه الوزارة لم تعجب الانقلابيين، فسحبوا البساط من تحت أرجلها، فقدَّم القدسي الاستقالة بعد ثلاثة أيام فقط.

وكلَّف رئيس الجمهورية خالد العظم، وهو مرشح القوات المسلحة، بتشكيل الحكومة، أملًا منه بتهدئة الأجواء.

وقد شكَّلها بتاريخ 17 كانون الأول 1949 ودخلها ثلاثة من الوزراء الشعبيين، هم فيضي الأتاسي (العدلية) وهاني السباعي (المعارف) ومعروف الدواليبي (الاقتصاد)، على مسؤوليتهم الشخصية، أي أنهم لا يمثِّلون الحزب رسميًّا، وإنما رضي الحزب بدخولهم إنقاذًا للوضع العام المتدهور.

ودخلها أكرم الحوراني وزيرًا للدفاع الوطني. غير أنه ما لبث أن استقال من الحكومة بحجّة اعتراضه على بعض مواد الدستور، فأضعفت استقالته الحكومة كثيرًا.

وقد كلَّفني الحزب أن ألقي كلمته في جلسة الثقة بالحكومة. ومما جاء فيها: «أن حزب الشعب بعد أن درس الموقف السياسي من جميع نواحيه دراسة عميقة شاملة وأخذ بعين الاعتبار المحاذير الداخلية والخارجية التي قد تنجم عن انسحاب أعضائه المشتركين في الوزارة على مسؤوليتهم الشخصية، أو عن حجبه الثقة عنها، قرَّر منح الثقة للحكومة حرصًا على مصلحة الوطن العليا»[3].

وفي عهد هذه الوزارة تحرَّكت الدول الثلاث أميركا وإنكلترا وفرنسا التي وجدت الفرصة سانحة أمامها إثر الهزائم العربية في مواجهة إسرائيل، وأصدرت «البيان الثلاثي» المشهور، الذي قالت فيه:

«إنها تلتزم بحفظ السلام على الحدود الفلسطينية، لذلك فإنها تعلن معارضتها المطلقة لاستعمال القوة أو التهديد بها بين أي من دول المنطقة وتجعل التزويد بالسلاح مشروطًا بعدم الاعتداء».

وقد قبلت هذا البيان مصر والعراق والأردن ولبنان وإسرائيل. وقبلته الحكومة السورية أيضًا.

وقد فسّر هذا القبول بأنه اعتراف ضمني بسلامة الحدود الإسرائيلية.

وقد ثارت عاصفة سياسية كبرى في وجه هذا البيان، لأن الدول الثلاث التي تبرَّعت بإصداره من دون أن تستشير دول المنطقة، هي المتآمرة الكبرى لإقامة إسرائيل، وإذلال الأمة العربية العاجزة عن الدفاع عن مقدساتها.

وقد أصدر الشيخ الدكتور معروف الدواليبي تصريحه الشهير الذي أحدث ضجة كبرى في الساحة السياسية. وفيما يلي أبرز ما فيه:

«أعلن بصفتي الشخصية، لا بصفتي وزيرًا في الحكومة، أنه إذا استمرَّ الضغط الأميركي على العرب، لجعلهم يسيرون في سياسة لن تنتهي إلا بتهديد بقية أبناء الأمة العربية، فإني أقترح إجراء استفتاء في العالم العربي، ليعرف الملأ ما إذا كان العرب يفضِّلون ألف مرة أن يصبحوا جمهورية سوفياتية، على أن يكونوا طعمة لليهود»[4].

وقال الشيخ الدكتور مصطفى السباعي زعيم الإخوان المسلمين:

«متى كان الغرب صديقًا لنا؟ إنا سنرتبط مع روسيا ولو كانت الشيطان».

والواقع أن العالم كله كان يعيش في بحران حرب نووية هي مستحيلة الوقوع، إلا في حدود نسبة يسيرة من الخطأ، وأنها إذا وقعت فإن الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة سوف يدمّر أحدهما الآخر، وأن ما لا يقلّ عن مئتي مليون إنسان سوف يموتون من الجانبين، بالإضافة إلى إبادة المعامل ودعائم الحضارة العصرية.. ربما إلى أجيال عديدة..

وكانت أميركا قريبة منا، لكن التفاهم معها كان مستحيلًا. فهي تريد أن تقوي إسرائيل التي ساعدت أكثر من غيرها على خلقها، وتريد أن تحافظ عليها وأن نقبل بواقعها الأليم.. وقد عملت كل ما استطاعت لفرض السلام الأميركي الإسرائيلي على المنطقة، تارة بالإغراء وتارة بالتهديد وتارة أخرى بالانقلابات.

وكانت تلوِّح لنا «بخطر» الشيوعية العالمية.

ولم تكن تريد أن تفهم أن مشكلتنا هي مع الصهيونية وليس مع الشيوعية. وفي الداخل، فنحن لم نكن رأسماليين ولا شيوعيين. كنا أمة وسطًا بين المعسكرين لا نريد أن ننحاز لهذا أو ذاك، لأن ما كان يعنينا هو إنقاذ حقوقنا وسلامتنا.

وقد مدَّ الاتحاد السوفياتي يده مرارًا إلينا، ربما كرهًا بالمعسكر الآخر، لكنه لم يطلب مقابل هذه الصداقة أية مرتكزات عقائدية.

ومن هنا قبلنا مساعداته العسكرية والاقتصادية.

ومن هذا المنطلق أذاع حزب الشعب بيانًا في 3 نيسان 1950 قال فيه: «إن مصلحة البلاد تقتضيها الخروج من عزلتها السياسية والاقتصادية وتوطيد العلاقات بينها وبين العالم الخارجي على أن تكون العلاقات التي تؤسس مع الدول الأخرى مبنية على أسس سليمة تحفظ لسورية مصالحها وتصون استقلالها». واستقال خالد العظم بسبب خلاف بين جماعة الشيشكلي أنفسهم، ويقال إن الشيشكلي اتصل به ليلًا من اللاذقية وطلب إليه أن يقدِّم استقالته صباحًا «تصحيحًا للأوضاع» فقدَّمها في 29/5/1950، لأنه ما كان يملك غير القبول.

وكلَّف رئيس الجمهورية ناظم القدسي (للمرة الثانية) بتشكيل الوزارة، فشكَّلها في 4 حزيران 1950 من بعض أعضاء حزب الشعب (شاكر العاص وجورج شلهوب وفرحان الجندلي ورشاد برمدا)، والمستقلين حسن جبارة وزكي الخطيب. ودخلها أيضًا الزعيم فوزي سلو، وكان فوزي سلو يمارس حق الفيتو على القرارات التي لا تعجب الشيشكلي كأنه إحدى دول مجلس الأمن الدولي ذات الحق بالنقض (الفيتو).

واستطرادًا أشير إلى أن الشعب العربي في سورية خاصة لم يتقبَّل مبدأ الأحلاف العسكرية وقاومها أكثر رجال السياسة، وقامت ضدها المظاهرات الصاخبة.. حتى إن مجلس وزراء الخارجية العرب اضطر إلى اتخاذ قرار في كانون الثاني 1954 بعدم جواز انضمام أي دولة عربية إلى حلف عسكري أجنبي.

وكان لعبد الناصر شخصيًّا دور مؤثر أيضًا في اتخاذ هذا القرار. وقد بذلت وزارة الدكتور القدسي جهودًا حثيثة من أجل إقامة تعاون عربي يغني عن الأحلاف العسكرية الأجنبية. وكان رشدي الكيخيا يشجع الحكومة على السير الثابت في هذا الاتجاه القومي. وقد اتخذ مكتب حزب الشعب قرارًا بمساندة الحكومة في سعيها حتى تمَّ التوصل إلى إبرام معاهدة «الضمان الجماعي العربي»، في اللجنة السياسية التي عقدت اجتماعها الحاسم يوم 17 حزيران 1950، ووافقت عليه الجامعة العربية. وقد جاء في مقدمة هذه الاتفاقية:

«إن الدول الموقعة، رغبة منها في تقوية الروابط وتوثيق التعاون بين دول الجامعة العربية وحرصًا على استقلالها ومحافظة على تراثها المشترك، واستجابة لرغبة شعوبها في ضمِّ الصفوف لتحقيق الدفاع المشترك عن كيانها.. وتقريرًا للاستقرار والطمأنينة وتوفير أسباب الرفاهية والعمران في بلادها اتفقت على عقد معاهدة لهذه الغاية..

المادة الأولى: «تؤكِّد الدول المتعاقدة حرصًا منها على دوام الأمن والسلام عزمها على فضِّ جميع منازعاتها الدولية بالطرق السلمية».

المادة الثانية: «تعتبر الدول المتعاقدة كل اعتداء مسلح يقع على أية دولة أو أكثر منها أو على قواتها اعتداء عليها جميعًا. ولذلك فإنها عملًا بحقِّ الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عن كيانها، تلتزم بأن تبادر إلى معونة الدولة المعتدى عليها منفردة ومجتمعة، وتستخدم جميع التدابير وجميع ما لديها من وسائل بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لرد الاعتداء ولإعادة الأمن والسلام إلى نصابهما».

المادة الخامسة: «تؤلف لجنة عسكرية دائمة من ممثلي هيئة أركان حرب جيوش الدول المتعاقدة لتنظيم خطط الدفاع المشترك. وتحدّد في ملحق هذه المعاهدة اختصاصات هذه اللجنة الدائمة».

المادة السادسة: «يؤلف تحت إشراف مجلس الجامعة مجلس للدفاع المشترك يختصُّ بجميع الشؤون المتعلقة بتنفيذ أحكام المواد 2 و3 و4 و5، ويستعين على ذلك باللجنة العسكرية».

المادة الثامنة: «ينشأ مجلس اقتصادي من أجل توفير الطمأنينة وتوفير الرفاهية في البلاد العربية».

وقد أُلحق بهذه المعاهدة ملحق عسكري يحدِّد اختصاص اللجنة العسكرية التي اختيرت القاهرة مقرًّا لها وبيان طريقة اختيار القائد العام للقوات المشتركة.

وقد عقدت لجنة الدستور العامة أول اجتماع لها يوم 27 شباط 1950 بعد أن عاد إلى رئاستها الدكتور القدسي إثر استقالة حكومته الأولى، وقرَّرت تسجيل مناقشاتها في محاضر تُطبع وتُوزَّع على أعضاء الجمعية التأسيسية.

وعقدت لمناقشة مواد المشروع مناقشة أولى 29 اجتماعًا كان آخرها يوم 10 نيسان 1950. وأُعيدت المناقشة في قراءة ثانية خلال ست جلسات. بعدها قدَّم رئيس اللجنة تقريرًا إلى رئيس الجمعية التأسيسية رشدي الكيخيا يتضمَّن عرضًا لخطوط الدستور البارزة، وأرفقه بمشروع الدستور. كما قدَّمت أنا بوصفي المقرر، تقريرًا مفصلًا.

وقد ناقشت الجمعية التأسيسية مواد الدستور مناقشة دقيقة ومطولة وجرت حولها مداخلات مفيدة وغنية. وفي نهاية المناقشات أقرت الجمعية التأسيسية الدستور الوطني الأول الذي يوضع في عهد الاستقلال. وأصدره الرئيس الكيخيا يوم 5 أيلول 1950.

ولم ينسَ الكيخيا أن يخصَّ لجنة الدستور بشكر كريم على جهودها الخيرة. ولقد كرَّمني رئيس الجمهورية رحمه الله بهذه المناسبة الخالدة فمنحني وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة.

وقد اختارني المجلس رئيسًا للجنة القوانين العامة التي عهد إليها تنسيق التشريع الراهن وتوفيقه مع أحكام الدستور الجديد. ويمتاز هذا الدستور بأنه فتح جديد في عالم التشريع الدستوري العربي بما تضمنه من تحديد دقيق لاختصاصات رئيس الجمهورية، وضمان استقلال القضاء وبيان مهمات القوات المسلحة التي يجب أن تنحصر في الدفاع عن الوطن (المادة 30 ف3).

وقد أسفر عن وجهه العربي الصريح، فنص على «أن الشعب السوري جزء من الأمة العربية» (المادة 1 ف3).

ومن أسف أن هذا النص الذي يثبت انتماء البلاد العربي، أقلق بال الخائفين على الهوية السورية، لأنهم اكتشفوا فيه دعوة لإعادة السعي إلى الاتحاد مع العراق.. ولست أدري كيف حصلوا على هذا الاكتشاف «العظيم».. لكنه المرض أو الغرض أو الزلفى للغير، ومن الذين قيَّموا الدستور الجديد الأستاذ جوردون هـ. توري بقوله:

«إن الجديد في هذا الدستور يكمن في روح الوثيقة نفسه، إن قدرًا كبيرًا من التأكيد وضع على حقوق المواطن السوري، وقد شدَّدت المقدمة على حق الفرد في العدالة والحرية الشخصية لأن الحريات العامة هي أسمى ما تتمثَّل فيه معاني الشخصية والكرامة الإنسانية».

وقد ذكر أن الدستور وضع لتحرير المواطنين من ويلات الفقر والمرض والجهل بإقامة نظام اقتصادي واجتماعي يحقق العدالة الاجتماعية ويحمي العامل والفلاح ويؤمِّن الضعيف والخائف.

وتضمَّن الدستور في 21 مادة من مواده الضمانات القانونية في موضوع التوقيف الاحتياطي وافتراض البراءة وصيانة المساكن وكفالة حرية الرأي والصحافة.

ويمكن اعتبار المادة 21 مادة ثورية لأنها نصَّت على اعتبار «الملكية الخاصة مصونة بشرط أن تؤدِّي وظيفتها الاجتماعية.. على ألَّا يسمح لأحد أن يستعمل الملكية الخاصة بشكل يتعارض مع الملكية العامة..»[5].

وتقرَّر في الدستور مجانية التعليم الابتدائي والثانوي (المادة 28).

لكني أودُّ أن أذكر أن لرشدي الكيخيا فضلًا عظيمًا بتدخله المباشر لإقرار نصين، كادا أن يسبِّبا أزمة في البلاد لا مخرج منها:

الأول: مسألة دين الدولة.

والثاني: مسألة تحديد الملكية الزراعية.

فأما قضية دين الدولة، فقد أوشكت أن تحدث فتنة في البلاد، وقد انقسم الرأي بشأنها إلى قسمين متشدِّدين: قسم يرى أن المسلمين أكثرية كبرى في البلاد ومن حقهم أن يسنُّوا الدستور بحسب المصلحة التي يرونها، شريطة أن تصان حقوق أبناء الأقلية الدينية ويحافظ على معتقداتهم وممارساتهم لطقوسهم بالصورة التي يختارونها، وقسم لا يرى في هذا النص جدوى قانونية ومصلحة سياسية، لأن الدولة شخص معنوي، والدين يكون للرجل أو المرأة، وليس لشخص لا وجود له إلا على الورق. ثم إن النص على دين الدولة في الدستور يمكن أن يوقع الخوف في نفوس الأقليات الدينية، التي نتعايش معها منذ خمسة عشر قرنًا، كذلك فإن لنا في المهاجر، وخاصة في أميركا الجنوبية والشمالية نحو نصف مليون مواطن غالبيتهم من المسيحيين. فلماذا نضع نصًّا يقلقهم ويجعلهم يتساءلون عن هويتهم، في وقت تقوم فيه الدعايات الإسرائيلية بتجنيد كل مَن تأنس فيه خيرًا لمصلحتها، وبتفريق صفوف العرب بين مسلمين ومسيحيين؟

وقد راجعتني وفود كثيرة من طول البلاد وعرضها، بصفتي مقررًا للجنة الدستور. وشرحت لرشدي الكيخيا الموقف وما قد ينجم عن تزايد الاحتكاكات من احتمالات.. فقام باتصالات واسعة على مختلف الاتجاهات وخرج بحلٍّ جيد قبله الجميع، وهو نص المادة الثالثة من الدستور. فقد تضمَّن النص على أن دين رئيس الدولة الإسلام، وأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع، وأن حرية الاعتقاد مصونة. والدولة تحترم جميع الأديان السماوية وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على ألَّا يخل ذلك بالنظام العام. وتضمَّنت المادة الثامنة والعشرون النص على أن التعليم «يجب أن يهدف إلى إنشاء جيل قوي بجسمه وتفكيره مؤمن بالله متحلٍّ بالأخلاق الفاضلة، معتز بالتراث العربي.. ويحظر كل تعليم ينافي الأهداف المذكورة».

وهنا يجب عليّ أن أذكر أننا مدينون بنص المادة 28 المذكورة إلى المرحوم الشيخ مصطفى السباعي، الذي كان يفهم الإسلام بروحه لا بحروفه فقط. وكان فقيهًا متمكنًا وغير متزمِّت.

وبذلك أنقذ رشدي الكيخيا الوضع المتأزم في ظروف غير مناسبة بالمرة. وكنت قانعًا بأن النص على دين الدولة نص لا خير فيه للمسلمين، ثم إن ضرره محقق آنذاك.. وقد نشط المتعصبون إلى شنِّ حملة ظالمة ضدي نعتوني فيها بما ليس في.. لمجرّد أنني وقفت إلى جانب وحدة الصف الوطني، ولم أتمسَّك بنصٍّ لا يعدو أن يكون نصًّا للشكل لا أكثر. ويذهب بي الخيال وأنا أعيد النظر الآن في هذا النص (نحو العام 2000) إلى تلك المجازر الهمجية التي يرتكبها القتلة الصربيون (الأرثوذكس) ضد المسلمين في البوسنة والهرسك، لأنهم طالبوا بحقهم في دولة في بلادهم، بعد انهيار الاتحاد اليوغسلافي. ومن أغرب الغرائب أن يهجر المسلمون من ديارهم وتنتهك حرماتهم، ويقتلون من دون رحمة.. والعالم يسمع أنباءهم فلا يتحرَّك له ضمير، ولا تهتزُّ فيه شفقة، كأنّ ما يلاقونه من ظلم يحدث في المريخ.. والعجيب أنهم لا يزالون يلصقون تهمة التعصُّب بالإسلام وهو الذي تعايشت في كنفه أبناء مختلف الديانات أربعة عشر قرنًا.. ولم تعد ضمائر أهل الضمائر، تحتمل فظاعات الصرب، فوجَّهت الدول الغربية إلى رئيسهم الإنذار تلو الإنذار، إلا أنه أبى واستكبر، فاضطرت الدول الغربية إلى ضربه من دون رحمة، واخترقت جيوشها الحدود، وأنقذت المسلمين من براثنه. وعاد المهجرون إلى ديارهم.

وأما المسألة الثانية، فمسألة تحديد الملكية الزراعية.. وقد عمل الكيخيا بكل قوته وإيمانه على إقرار المبدأ في المادة 22، من دون أن يكون لهذا النص مفعول رجعي.. وكان مكسبًا مبدئيًّا كبيرًا.

وبذلك يكون قد ظلَّ وفيًّا لقناعته.. وأنقذ الجمعية التأسيسية من احتكاكات من شأنها أن تفتح الباب واسعًا لكل الاحتمالات.

وبعد إقرار الدستور اتخذت الجمعية التأسيسية قرارًا بتحويل نفسها إلى مجلس نيابي لاستكمال سنواتها الأربع، التي هي مدة المجالس النيابية بحسب نصوص الدستور الجديد.

الحواشي:

[1] لم نسمع بقتل أحد في تلك الفترة، من الضباط أو غيرهم، باستثناء الزعيم حسني الزعيم والدكتور محسن البرازي، على ما أوردناه في الفرع الثاني السابق. وقد تأكَّد لنا أن الحناوي بريء من قتلهما بل إنه ثار على الذين قتلوهما، وهدَّد بأن يقتل نفسه، إذا لم يتوقَّف العنف. وقد أوقفه فعلًا.

[2] انظر: تفاصيل المحاكمة في كتاب الأستاذ فردريك زريق: «العرب في نظر الغرب»، دمشق 1952، ص213.

[3] نص كلمة الحزب في محضر جلسة 7/1/1950، ص103.

[4] نقلًا عن جريدة الأيام بدمشق، عدد 5 نيسان 1950.

[5] عن جوردون هـ. توري، ص186 «تحليل دستور 1950».