بين يدي هذه المذكرات - الجزء 30: زعم الدواليبي أن الشيشكلي طلب منه مقابلة ابن غوريون سراً

اقرأ بالإنكليزية

الأربعاء 29

قمت أنا والأستاذ الحسامي بزيارة الدكتور فريد زين الدين، وقد حرص الدكتور على أن يؤكد لي بأنه لم يقل، صبيحة يوم 28 آذار 1962، حين دعينا إلى الأركان، بأنه طالب بتشكيل حكومة. وأن رأيه كان بأنه لا يصح اللجوء إلى مثل هذا التشكيل، إلى أن تتضح وجهة الأحداث.

ولكن الذي حدث يومها، أنه طالبَ بإلحاح بتشكيل حكومة انقلابية، غير أني عارضت هذا التشكيل بقوة! وقد استفاد ناظم القدسي من معارضتي، لأنه لو شكلت هذه الحكومة، لكان عهده انتهى، وربما وجد من يطالب بمحاكمته. ولكن بما أن حكومة «ثورية» لم تشكّل، فقد ظل العهد «شرعياً» ومقعد الرئاسة خالياً.

ولذلك أُعيد فخامته - أقول أعيد ولم أقل عاد - إلى وظيفته السابقة. وقال لنا الدكتور زين الدين، إن أكرم الحوراني زاره، وتحدثا في موضوع تحويل نهر الأردن، وبيّن للأستاذ الحوراني خطأه الجسيم في هذا الموضوع. وكرّر على مسامعه ما نعرفه جميعاً، وهو أنه دخل عضواً في اللجنة التي شكلها عبد الناصر، حين احتدم الجدل في مجلس الوزراء في القاهرة بين أحمد عبد الكريم - خاصة - والرئيس، حول إمكانية منع إسرائيل من تحويل نهر الأردن من أراضيها بالقوة العسكرية.. وقال إنه أعدّ تقريراً مفصّلاً عن الموضوع ذاته للرئيس، بعد استقالة البعثيين، فتبنّاه الرئيس وعرضه على مجلس الجامعة العربية، فتبناه بالإجماع..

وكل الذي لاحظه الرئيس على هذا التقرير، كما يقول الدكتور زين الدين، هو أنه شدّد كثيراً على الموضوع الفلسطيني وإبعاده عن أي نفوذ كان، لأنه، رحمه اللّه، خشي أن يعتبر الأردن، أن التقرير موجه ضده، وعندها قد ينسحب من الجامعة العربية.

ولكي لا يترك كلامه أي شك في نفوسنا قال إنه مستعد لنشره في الصحف، غير أنه على ثقة بأن هذه الصحف، لا يمكن أن تنشر تقريراً، يكذِّب الذين زعموا أن عبد الناصر رفض مبدأ مقاومة إسرائيل بالقوة، إذا ما عمدت إلى تحويل نهر الأردن.

ومن نكد الدنيا عليّ، أنني كنت مضطراً إلى استقبال بعض الانفصاليين العتاة في بيتي، وأتناول معهم طعام الغداء أو العشاء.

وكان نصيبي اليوم، الأستاذ زهدي الجاسر، الصحافي السابق، والذي أصبح في أيام الوحدة، المدير العام لشركة الزيوت الحلبية، وهو مقرب جداً من رشدي الكيخيا وناظم القدسي.

ولست أدري إن كان زارني، ليعطيني درساً في مفهوم القومية العربية.

فقد ألحّ على نقاط ثلاث، في حديثه الطويل المتشنج، هي:

1 - متى كان للعرب في تاريخهم دولة واحدة.

2 - ومتى كان بين مصر وسورية وحدة، من أي نوع كان.

3 - وهل نحن عرب فعلاً، وكيف؟

هذا نموذج من انهيار أخلاقية الرجعية الانفصالية، التي فقدت حتى العقائد ونسيت ما كانت تجأر به، ذات يوم، حتى كادت أوتار حناجرها تتقطع!.

إنهم فقدوا صوابهم.. وحين كان جوبيتر يريد إبادة قوم، فإنه كان يبتليهم بالجنون الأخلاقي.

وكان لهم، بحمد الله، ما لم يريدوا!. وفي أسرع مما كانوا يخشون.

الجمعة 31

كلما نظرت في الصحف التي تنشر «خطابات» أعضاء الوفد السوري إلى شتورة. وفكرت في المستوى المنحط الذي نزلوا إليه، في شتم بطل من أبطال العروبة والإسلام، هو الرئيس عبد الناصر، كلما شعرت بقذارة الحزبيات الضيقة.. ومن الطبيعي جدّاً، أن ينسحب الوفد الذي يمثل «الجمهورية العربية المتحدة» من جلسات هي أقرب إلى الردح البلدي وبذاءة المنشأ والتربية، منها إلى حوار الساسة، الباحثين عن مخرج كريم للنزاع القائم.

وفعلاً، انسحب البارحة هذا الوفد.

وبسبب هذا الانسحاب، لم يستطع مجلس الجامعة العربية أن يتّخذ أي قرار، لذلك قرر تعليق جلساته إلى «أجل غير مسمى»، وأبقى الدورة مفتوحة، لعل عارضاً توفيقياً، يظهر على الأفق.

وهذا ما أستبعده.. لأن الذين اندفعوا في هدم كل جسر، خوفاً على حياتهم ومصالحهم، لا يمكن أن يقبلوا بأي تقارب مع مصر عبد الناصر.

وما أظن أن الخطر الإسرائيلي، الذي أمِنوا شره على ما يظهر، يقض مضاجعهم.

وقد أبرق خالد العظم إلى رئيس الوفد «العربي السوري» أو «السوري العربي» برقية تهنئة، غمز فيها من قناة الرئيس القدسي والحكومة الانفصالية، حين قال: «لقد لمع وفدنا وحقق نجاحاً عظيماً، في حين أن دبلوماسيتنا برهنت عن عجزها وضعفها».

وعادت بي الذاكرة، إلى ما قاله لي، في يوم بعيد، الأستاذ رشدي الحامد، وهو يسعى إلى التقريب بيننا وبين خالد العظم، بأن «الرجل» نادم على موقفه من الوحدة، وأنه مستعد أن يغسل ماضيه، وينهي حياته السياسية نهاية كريمة.. وقابلناه، ويا ليتنا لم نفعل.

وقد فوجئت الأوساط السياسية، بلجوء الأمير طلال بن عبد العزيز شقيق الملك سعود إلى مصر. ومن هناك أذاع بياناً، هاجم به أخاه والملك حسين بن طلال الأردني، على الاتفاق الذي أبرماه، لمناهضة عبد الناصر، وليس لمناهضة إسرائيل.

وقد طالب الأمير اللاجئ بإقامة نظام ديمقراطي في المملكة العربية السعودية يكون الشعب فيه السيد وصاحب الرأي في حكامه وأمواله، وخاصة الثروات البترولية التي تبدد على المؤامرات وشراء الذمم.. كما طالب باعتزال سعود العرش، لأنه لا يصلح له.

ومن المؤكد، فإن هذا البيان، يقلق الحكام السعوديين، ولكنه لا يعرضهم إلى الخطر لأنهم، معتبرون من ركائز السياسة الغربية، وخاصة الأميركية.. وهي قادرة على حماية عرشهم، مقابل التنازل لهم عن الحرية في التصرف بالموارد البترولية الخرافية.

ولكنها حادثة لا تخلو من طرافة على كل حال.

الأحد 2 أيلول

أخبرني الأستاذ رفيق بشور، نائب رئيس مجلس النواب الانفصالي، أن حياة الحكومة السورية، في حكم المنتهية.. وأن مجلس النواب «الذي حل نفسه» سوف يدعى إلى الانعقاد، وتهمل مسألة الاستقالة، وسيكون انعقاده لمدة قصيرة، يوافق فيها على «الشرعية» التي يطلبها رئيس الجمهورية، ثم يعود إلى حل نفسه.. وستكون مكافأة أعضائه أربعة عشر ألف ليرة، لكل عضو، تصفية لمرتبات الشهور الماضية، التي فقدوها بالاستقالة.

وقد زعمت الصحافة أن الملحق الثقافي المصري في روما لجأ إلى سورية، ليلتحق باللاجئ الأول زغلول عبد الرحمن.

وفرحت الصحافة السورية جداً بالخبر، لأنها اعتبرته «بادرة» انهيار الحكم في مصر.. غير أن فرحتها لم تطل، فقد تبين أن النبأ اختلاق رخيص لا أساس له من الصحة.. ولكنها لم تخجل من افتراءاتها.. لأن المثل العامي يقول: «لا يضير المصفاة ثقب جديد».

الاثنين 3

واليوم، من أيام صديقنا الشيخ معروف الدواليبي.

فقد صرح للصحفيين، على ما هو معهود عنه من حبه للدعاية لنفسه، بأنه لا يحبذ الآن العمل الحزبي «حتى يتطهر الداخل من المخربين».

وقد يكون في هذا القول، إشارة إلى المصادمات التي بدأت تندلع بين الإخوان المسلمين، الذين يعتبرهم الأستاذ جماعته، وبين الشيوعيين، الذين كان ذات يوم يعطف عليهم، حتى أنه سمي بالشيخ الأحمر.

وقد أخبرني الأستاذ أحمد المحمود، المحامي المعروف باللاذقية، ورفيق دراستي عام 1937 في كلية حقوق دمشق، أنه استمع إلى خطاب للدكتور الدواليبي في بستان في اللاذقية، يملكه الصديق الحاج قاسم ياسين، منذ بضعة أيام، قال فيه إن أديب الشيشكلي طلب إليه أن يقابل ابن غوريون - رئيس وزراء إسرائيل في تلك الأيام - لكي يبدأ معه مفاوضات للصلح بين سورية وإسرائيل، من وراء ظهر البلاد العربية، غير أنه رفض هذا التكليف، وهدد بإذاعة الخبر إن لم يقلع أديب الشيشكلي عن هذه الأفكار الخطرة!.

وتابع الأستاذ المحمود قوله: بأنه عرض ما سمعه على الأستاذ أسعد هارون، أحد وجهاء اللاذقية، وواحد من كبار الذين تعاونوا مع الشيشكلي، فأكد له أن ما قاله الدواليبي: «كذب في كذب».

وللأمانة التاريخية، فنحن الذين كنا نعارض الشيشكلي، ونتتبع أعماله بدقة، لم نسمع بشيء عن مساعي الشيشكلي للصلح مع إسرائيل.

بل ولم يرسل إلينا الدكتور الدواليبي، من «منفاه» الاختياري في بيروت أي خبر عن هذا التكليف، لأننا، وإياه، كنا أعضاء في حزب الشعب الذي أسسناه عام 1948.. وكنا نعمل من أجل غاية واحدة، هي إسقاط النظام الدكتاتوري.. وخبر كهذا، لو صح، كان قادراً على زعزعة عهد الشيشكلي!.

وبسبب خطورة التهمة، قابلت الزعيم (ويسمى اليوم العميد) أمير شلاش في بيته[1]، وكان معاون رئيس أركان الجيش، وسألته إن كان يعرف شيئاً عن هذا الموضوع، نظراً لأنه كان يعمل معاوناً لأديب الشيشكلي ويلتقي به عدة مرات في اليوم الواحد، فاستغرب هذا القول، ونفى أي علم له به، كما أنه كان جازماً أن الشيشكلي لم يعرف عنه أبداً هذا الاتجاه، وأضاف بأنه حتى لو فكر فيه، فإنه ما كان ليكلف الأستاذ الدواليبي، الذي كان معتبراً من أعداء العهد.. ولأرسل شخصاً موثوقاً، يكتم السر، حتى يصل إلى حل.

وبعد يومين أو ثلاثة أيام من هذا الخطاب، صرح «دولته» إلى جريدة الصدى العام، بأن «لديه معلومات مؤكدة بأن عبد الناصر سوف ينتهي بعد شهر واحد».

ولسنا نعرف، من أين تأتيه هذه الأوهام، التي أخذت روايتها عنه، تكثر هذه الأيام.. ويتناقلها الساخرون في المقاهي!.

وفي هذا الجو الكئيب، الكريه، قرأنا مقالاً في جريدة الأستاذ كمال جنبلاط وزير داخلية لبنان، هاجم فيه السوريين جميعاً، لكي يركز على الانفصاليين. وقد جاء في هذا المقال: «إن السوريين انقضوا على الدولة الأموية، والدولة العباسية والفاطمية وصلاح الدين.. ها هم ينزلقون بالشتائم على عبد الناصر.. فهل هذه استفاقة دم هولاكو وتيمورلنك»؟.

وجُنَّ جنون الصحافة السورية، فراحت تنشب أظفارها الحادة في سمعة جنبلاط وآزرها الراديو، جهاز الدولة الرسمي، في حملتها المسعورة على الزعيم الدرزي الناصري الميول والاتجاهات.

السبت 8

انفجرت قنبلة في مقهى في حماة، مساء البارحة. وذكرت الصحف أن عدد الذين جُرِحوا كبير، بينهم حرشو البرازي، الذي اغتال في بيروت اللواء المرحوم سامي الحناوي، ثأراً لقريبه الأستاذ محسن البرازي، والسيد علي عدي، أبرز محازبي الأستاذ أكرم الحوراني.

وكانت مناسبة لهذه الصحف، لتلقي بتهمة إلقاء القنبلة على «الناصرية» الآثمة، غير أن «الصدى العام» اتهمت الإخوان المسلمين، الذين يقفون في مواجهة الحركة الحورانية.. والصدى العام تريق على نفسها صفة التقدمية، وتحارب الإخوان المسلمين..

وحتى لا يصطدم الفريقان، المؤيدان للحكومة، أذاعت وزارة الداخلية بياناً ألصقت التهمة فيه بالناصريين.

وليس من شك في أن لغة القنابل، لغة إجرام، لا يمكن تبريرها، لأن السياسة نقاش وعرض مبادئ، ثم الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.. ليقول الشعب كلمته النهائية.

الثلاثاء ١١

وصلت جريدة الحرية اللبنانية إلى دمشق.

وقد قرأت فيها مقالاً، قسم كاتبه المواطنين السوريين قسمين:

الأول، الوحدويون، ونعتهم بأنهم «جماهير الشعب الاشتراكية».

والثاني، الانفصاليون، الذين جمعت بينهم الرجعية والانتهازية والطائفية.

وقد اتُّهِمت السلطات السورية، بأنها هي التي تفجر القنابل، وتنشر الإرهاب لضرب الوحدويين الذين يشكلون خطراً عليها.. شأنها في ذلك، شأن عبد الكريم قاسم في العراق.

ولقد استجرت الوحدويين إلى معركة غير متكافئة «ومارست عليهم إرهاباً منقطع النظير».

وهذه مقالة رزينة، اتخذت العقل وسيلة لنقاشها.

وقد سمعت صوت العرب القاهري، يذيع، من يومين، إذاعة تتصف بالواقعية.. فقد كان من قبل يقول إن الجماهير تعبّر عن آرائها بتفجير القنابل في أحشاء الانفصاليين.. وهو زعم لم نفكر فيه أبداً.

واليوم يدعى مجلس النواب «المنحل» إلى الاجتماع، لمرة واحدة، ليصوت على الثقة بخالد العظم ثم يصوت النواب على حل أنفسهم، وينهون المهزلة.

وقال لي أحد هؤلاء النواب بالحرف: «طالما أنني سأقبض 14 ألف ليرة، فإني مستعدّ أن أصوت لعبد الناصر».

وبالمناسبة فهو من الانفصاليين «المعتدلين».. وكان ذاق طعم الكرامة في عضوية مجلس الشعب المشكل من نواب مصريين ونواب سوريين، أيام الوحدة.. ولكنه يؤمن بمبدأ «من تزوج أمي فهو عمي».

السبت 15

هذا حديث قاضٍ حلبي كبير، أحيل على التقاعد، ولزم بيته، هو الأستاذ عبد الرؤوف سلطان. زرته هذا الصباح، وتحدثنا عن بعض ذكرياتنا عن القضاء، فقد كان هو رئيساً لمجلس الدولة، وكنت أنا وزيراً للعدل.. وقد كنت استشرته في تسريح بعض القضاة السيئين، فذكر لي الأسماء التي أجمعت الآراء المنصفة، على ضرورة إبعادها عن قضاء الحكم، إذا لم أعمد إلى رفع الحصانة، لأستعمل سلاح التسريح.

ولم أ أستعمله..

وتحدّث عن الوحدة، وكأنّه يغالب دموعه..

قال: أنا رجل على حافة قبري، ولا أطمع في هذه الدنيا إلا بعفو اللّه.. ولكنّي أحن إلى عودة الوحدة السابقة، لأنني، إذا كنت سأغادر أنا هذه الدنيا فإن لي أولاداً سيعيشون في هذا الوطن..

لقد كنا دولة كبرى، تشكل نواة لجمع الأمة العربية، ولكن الانفصاليين قضوا «بجنايتهم السوداء» - وهذا تعبيره - على آمالنا القومية.. ونسمع صباح مساء، أفراح الرجعية وإسرائيل.

وانتقل إلى جوار ربه، ولم يكتب له الله أن يكحّل عينيه بمرأى مواكب الوحدة.

---

الحواشي:

[1] مساء يوم الاثنين (كانون الأول 1995).