حكومة 9 آذار - الجزء 5: استقالة حومد والقاسم السرّية من الحكومة احتجاجاً على هيمنة البعث
الأحد 24
أنجزت اللجنة الوزارية التي كلفت بوضع مشروع الدولة الاتحادي، ليكون «المشروع السوري» جاهزاً قبل اجتماع القاهرة، واجتمعنا برئاسة الأستاذ صلاح في مكتبه.
وفيما يلي المبادئ الأساسية التي اتفقنا عليها:
1 - تنشأ دولة واحدة تتألف من الجمهورية العربية المتحدة والجمهورية العراقية والجمهورية السورية، ويكون لها كيان سياسي واحد وسيادة واحدة وعلم واحد ورئيس واحد.
2 - تقوم هذه الدولة على أساس اتحادي، وتعتبر الأقاليم الثلاثة وحدات قائمة، ضمن الدولة الواحدة، ولها إطارها الإقليمي وحكمها المحلي.
3 - نظام الحكم في الدولة الجديدة جمهوري. ويترك للوفود اختيار شكل الجمهورية الجديدة، رئاسياً كان (على غرار النظام الأمريكي) أو برلمانياً (على غرار النظام الفرنسي).
4 - يرأس هذه الدولة، رئيس جمهورية على أساس القيادة الجماعية.
5 - يمارس السلطة التشريعية مجلسان:
أ - مجلس نواب اتحادي ينتخب أعضاؤه بنسبة سكان كل إقليم، على أن تعطى ضمانات دستورية للأقاليم الأقل عدداً، لكي لا يطغى إقليم على إقليم.
ب - ومجلس «اتحاد أو أي تسمية مناسبة أخرى» تتمثل فيه الأقاليم الثلاثة بالتساوي.. يكون من اختصاصه إبرام وإقرار ما يقرره مجلس النواب الاتحادي.. ليكون صمام أمان واستقرار.
6 - يكون للدولة مجلس وزراء اتحادي يرأسه رئيس الجمهورية. ويكون مختصاً بالشؤون الخارجية والدفاع والتخطيط، ويكون من مهماته وضع البرامج التي تهدف إلى توحيد التربية والتعليم والاقتصاد والمالية.
7 - يكون لكل إقليم في المجلس الوزاري الاتحادي، عدد مساوٍ لممثلي الإقليمين الآخرين. يتم اختيارهم بالانتخاب أو بالاختيار حسبما تتفق عليه الوفود.
8 - تنشأ في دولة الاتحاد محكمة دستورية عليا، تنظر في دستورية القوانين، وحماية حقوق كل إقليم.
9 - يكون لكل إقليم حكومة إقليمية، يرأسها رئيس المجلس التنفيذي فيها وتكون مسؤولة أمام مجلس نواب إقليمي منتخب يُشِرِّعُ للأمور القطرية.
وقد اتفقنا بالإجماع على هذه المبادئ، لتكون مشروعنا السوري، مع قبولنا يما تقرره الوفود الثلاثة، بشأن إقراره أو تعديله، شريطة الحفاظ على الشكل الاتحادي للوحدة. وكان العراق أخبرنا بأن وفده سيحمل مشروعاً مماثلاً، لعرضه على الوفدين الآخرين.
الاثنين 25
طلبت موعداً من الأستاذ صلاح البيطار في مكتبه في شارع أبي رمانة، واجتمعنا، أنا وإياه.. وعاتبته على مسلك أعضاء حزبه، العسكريين والمدنيين.
وقلت له: نحن نشتم رائحة تزكم أنوفنا.. وكنا نثق بكم ووضعنا أيدينا في أيديكم من أجل «وحدة عربية».. ولكن تبين لنا أنكم تعملون للاستيلاء على الحكم وعلى القوات المسلحة.. وتضطهدون الوحدويين «العملاء».. حتى إذا استتب لكم الأمر اتفقتم مع العراقيين على وحدة ثنائية.. وبذلك تعود الأمة العربية إلى سياسة المحاور.. التي شاركتمونا ذات يوم، في مقاتلتها.
وذكّرته بما نقله لنا «عن صفاء الجو تماماً مع عبد الناصر».. غير أن كل تصرفاتهم تدلّ على أنهم يسيرون في معارضة التيار الوحدوي.. الذي هو تيار أغلبية الشعب (أو الجماهير كما كان يحب أن يقول).
وأعربت له عن رأيي بأنه لا يزال شخصياً يحمل ضغينة على عبد الناصر.. ومددت له يدي بكتاب الاستقالة.
وأشهد أن الأستاذ صلاح أصيب بالدهشة حين سلمته هذا الكتاب الذي وقعته انا والأستاذ نهاد القاسم.. وحاول أن ينفي كل شكوكنا حيال وحدويتهم.. وقال: إن استقالتنا سوف تكون ضربة أليمة لمسار الوحدة، الني هي قيد الإنشاء.
وأفهمته أننا مصرّان على الاستقالة، وهذا قرار قيادتنا، لذلك لا رجوع عنه.. ولكنّي أعِد بعدم نشره، حتى نرى ما ستتكشف عنه محادثات المرحلة الثالثة التي تحدد تاريخها في 6 نيسان.
وفيما يلي نص الاستقالة:
سيادة رئيس مجلس الوزراء المحترم
حينما دعينا إلى الاشتراك في الحكم الثوري، الذي أطاح بعهد الانفصال، يوم 8 آذار 1963، وضعنا مصلحة الوطن العليا فوق أي اعتبار آخر، ونزلنا عند رغبة إخواننا العسكريين لنساهم مباشرة في إعادة الوحدة العربية، التي يهفو إليها الملايين من أبناء أمتنا العظيمة.
ولقد اشتركنا فعلاً في أعمال اللجنة الوزارية السداسية، التي كلفت بوضع مشروع الوحدة الاتحادية بين الجمهورية العراقية والجمهورية العربية المتحدة والجمهورية السورية، وانتهينا على أتمّ اتفاق وأكمله، وأعلنّا في مجلس الوزراء، في جلسته المنعقدة مساء الأحد المصادف 24 آذار 1963، موافقتنا التامة على الخطوط الأساسية للمشروع السوري. ونحن نعتبر أن المحادثات التي تمت بين ممثلي الجمهوريات الثلاث، توفيق من الله لجمع شمل العرب وتحقيق أمنيتهم الغالية في وحدتهم المقدسة.
ولكن المناقشات التي دارت فيما بعد، والتي تتصل بصميم العمل وسيره، أقنعتنا بأن المصلحة تقضي بلزوم التخلي عن تحمّل مسؤوليات لم تهيأ لنا أسباب القيام بها على وجه يرضي قناعاتنا، ولذلك قررنا أن نفسح الطريق أمام زملائنا في الحكم، تاركين لحكمتهم ووطنيتهم حمل الأمانة.
ويؤسفنا أن نتقدم باستقالتنا من الحكومة، سائلين الله أن يوفق العهد الجديد في السير قدماً في طريق الخير والنجاح، ومعلنين أننا سنكون إلى جانبه ما دام يعمل على تحقيق الوحدة.
والسلام عليكم ورحمة الله
دمشق في 25/3/1963
عبدا لوهاب حومد نهاد القاسم
وقد حاول الأستاذ البيطار أن يشرح لي أننا مخطئون في سوء الظن بهم، وأنهم وحدويون «أكثر منا».. ورجاني أن أنقل إلى إخواني في الجبهة طلبه الملحّ في منحه بعض الوقت، ليثبت لنا أن الذي اتفقنا عليه بشأن إقامة الوحدة الاتحادية، سيظل واجباً في عنقه، سوف يؤديه على الوجه الأكمل.
وقبلت قيادتنا أن نسيّر أعمال الوزارة من بيوتنا، فنوقع على الأوراق التي تحتاج إلى توقيع الوزير، ونفوّض الأمين العام للوزارة، بالأعمال الروتينية.. وأعترف بأن خللاً كبيراً ضرب مصالح المواطنين، لأن الناس عندنا اعتادوا على مراجعة الوزير شخصياً للبت في قضاياهم، ولأن الأمين العام قد يتحرّج من اتخاذ قرار في القضايا المعقدة، وخاصة تلك التي يترتب عليها المساس بمال الدولة، سواء أكان لها أم عليها.
إنما كنا في حالة من حالات الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها.
كذلك رأينا أن نحضر بعض مجالس الوزراء، لمتابعة قضايا الوحدة والسياسة الخارجية.. ونحتج على ما ترتكبه وزارة الداخلية وأجهزتها من تجاوزات إدارية.. خاصة ضد الوحدويين. والتزمنا بعدم انسحاب الأستاذ نهاد القاسم من عضوية الوفد المفاوض إلى إشعار آخر.
وقد كتبت جريدة «البعث» عدة مقالات عرّضت فيها بنا وبالرئيس عبد الناصر، في الوقت الذي كانوا يقولون فيه إن المرحلة الثانية من المحادثات التي جرت بين عبد الناصر والبعثيين، قد أنهت «عهد الشك» بين الفريقين.
وكان مقال 23 آذار تحت عنوان «ملكيين أكثر من الملك»، ويضم المقال المنشور في عدد 27 آذار وصف النظام السياسي في مصر بأنه «لملمة الفلاحين والعمال والتقدميين في إطار سياسي».
ويتضمن المقالان تلميحات بأن الرئيس عبد الناصر يرغب في عدم إقامة الوحدة وأنه بما معناه - يمارس انفصالاً أسوأ من الانفصال السابق.
وقد ردّ الأستاذ محمد حسنين هيكل على مقالات البعث بافتتاحية جعل عنوانها «إني أعترض».. وهكذا تظهر نوايا الأستاذ البيطار وإخوانه أكثر وضوحاً، يوماً بعد يوم.. وأنهم جماعة خدّاعون.
ورغم كل هذا الخداع حرصنا على عدم إعاقة مسيرة المحادثات الوحدوية، وحاولنا إظهار «اتفاقنا» في الحكومة الائتلافية، وعدم نشر «غسيلنا الوسخ» على بال الصحافة.
وقد سألتني هاتفياً جريدة «الأنوار» اللبنانية عن رأيي في سير محادثات الوحدة، فأجبتها بتاريخ 29 آذار ما يلي:
«لقد اشتركنا في اللجنة السداسية الوزارية، التي وضعت مشروع الوحدة الاتحادية، ونحن موافقون على كل ما تمّ في هذه اللجنة. ونحن الذين وضعنا المشروع السوري للوحدة الثلاثية بالتعاون مع بقية أعضاء اللجنة، وجئنا بمشروعنا إلى مجلس الوزارة بالإجماع. ونحن موافقون في هذا المشروع على الوحدة الثلاثية بين الجمهورية العربية المتحدة والعراق وسورية، ولا يوجد أي خلاف على هذا الموضوع بين أطراف الحكم، ولذلك نعتبر أن الوحدة الثلاثية موضوع متفق عليه بصورة إجماعية. ونحن إنما دخلنا في الوزارة لكي ننجز مطلب الشعب العربي في سورية، ونحقق أمله في الوحدة، وقد تحقق هذا الهدف السامي بالشكل الذي يرضي ضمائرنا وقناعاتنا.
ولذلك فإن كل ما يقال غير ذلك عن هذا الموضوع، باطل ومختلق»[1]
ولم يكن كل الذي صرحت به للجريدة صحيحاً، ولكنا كنا نمني النفس بيقظة مفاجئة لضمير الأستاذ البيطار.
للذكرى
بردى 1 نيسان 1963
---
الحواشي:
[1] نشرت جريدة بردى الدمشقية، التي يصدرها الأستاذ منير الريس، هذا الحديث في عددها الصادر في 1 نيسان 1963.
صور فوتوغرافية
صورة مرفقة بهذا الجزء، من أرشيف العائلة. لم تُدرج تسميتها الفردية لأن مطابقة الصورة بتسميتها الأصلية أثناء الاستخراج الآلي لم يمكن التحقق منها بشكل موثوق.
