عام 1963 - الجزء 3: انقلاب 8 شباط 1963 في العراق وسقوط عبد الكريم قاسم
الجمعة 8 شباط 1963 الموافق 14 رمضان 1382، وقوع انقلاب في العراق
فوجئنا وفوجئ العالم بنبأ وقوع انقلاب في العراق صباح هذا اليوم المبارك. وقد اختار الانقلابيون هذا اليوم لأنه عطلة، ثم إنهم قاموا بهجومهم الساعة السابعة والنصف صباحاً، وهي ساعة ليست مألوفة للقيام بانقلابات. لأن ساعات الانقلابات في العادة تكون بعد منتصف الليل بقليل.
ومن المؤكد أن خيارهم وقع على الصباح، وهو الوقت الذي لا تثير التحركات فيه الشبهات.. على خلاف تحرك المصفحات في أستار الفجر.
وأول من أعلمني بوقوعه، المدير العام للتأمينات والمعاشات، صديقي وزميل دراستي في باريس الأستاذ عبد العزيز عثمان، وهو قومي عريي حتى نخاع عظامه، ويكره الانفصال والانفصاليين كراهة تحريمية.
وأعترف أني لم أصدق النبأ، لما سمعناه عن حذر عبد الكريم قاسم، وتيقظ أنصاره من الشيوعيين، ضباطاً ومدنيين.
وبعد لحظات اتصلت بي أسرة صديقي المهندس محمود الفحّام، لتؤكد لي النبأ السار.. وهذه الأسرة الكريمة، سورية المنبت والمولد، عراقية الجنسية، غادر أفرادها العراق إلى بيوتهم في دمشق، وذويهم فيها، هرباً من الشيوعيين العراقيين.
وعن طريقهم، توطدت الصداقة بيني وبين الأستاذ المحامي الكبير عبد الرزاق شبيب، نقيب المحامين العراقيين، وأحد أصدقاء الرئيس جمال عبد الناصر.. وصهر الأسرة الكريمة، إذ أنه زوج ابنة الصيدلي محمد الفحام، المعروف بقوميته وصلابة عقيدته الوحدوية.
وكنا نجد في هذه الأسرة الطيبة مدداً معنوياً حين يشتد علينا حقد الانفصاليين.. وكانت بهجة «الفحامين» بالانقلاب لا توصف.
وجلست إلى الراديو، أستمع إلى إذاعة بغداد، رغم خفوت صوتها، وإلى الإذاعات العالمية التي كانت تتناقل أنباء هذا الحدث الخطير.
واللّه وحده يعلم مدى سروري وفرحتي وشماتتي بسقوط هذا النظام الكريه، الذي حالفه نظام ناظم القدسي.
والآن، أصبح دور انفصاليي سورية على مشارف الأفق.
وأنقل الآن من أوراقي ما سجلته في تلك الأيام عن هذا الحدث.. ثم أكتب ما سمعته من فم أحد وزراء عبد السلام عارف، العميد الركن عبد الغني الراوي، بعد وقوع الانقلاب السوري في 8 آذار (القادم)، حين قدم إلينا وفد عراقي كبير.
«صدر بلاغ رسمي أذاعته هيئة إذاعة بغداد، هذا نصه: «قام الجيش صباح اليوم بالقضاء على نظام عدو الشعب عبد الكريم قاسم، هذا النظام الذي قسم البلاد وعطل الضمانات الدستورية وعذب المواطنين وطعن الحركات التحررية العربية في ظهرها ومنع تقدم الشعب العراقي.
إن ثورتنا التي تؤيدها كافة التكتلات الشعبية لها هدفان:
الأول، يرمي إلى تحقيق الوحدة الوطنية.
والثاني، يرمي إلى مشاركة الشعب في حكومة البلاد وفرض هيبة القانون.
إن المجلس الوطني يريد أن يؤلف حكومة تعتمد على الشعب، وتكون مهمتها تحقيق الأهداف الحقيقية لثورة 1958.
وستتعهد هذه الحكومة باحترام مقررات مؤتمر باندونغ الأفريقي الآسيوي، وستؤيد الحركات التحررية في البلدان العربية ونضال جميع الشعوب العربية ضد الاستعمار.
وتكفل أخيراً لجميع الشركات صاحبة الامتيازات الأجنبية بأنه سيكون لها مطلق الحرية في استثمار البترول العراقي».
وبعد فترة قصيرة، أذاعت إذاعة بغداد البلاغ الثاني، الذي تضمن إحالة عدد من كبار الضباط المتعاونين مع عهد قاسم إلى التقاعد، ومن بين هؤلاء المسرحين، الزعيم فاضل عباس المهداوي الذي ظفر بسمعة واسعة قذرة، من ترؤسه محكمة أمن الدولة، التي أعدمت كبار الضباط الوحدويين، وأصبحت، حقاً وصدقاً، ساحة سيرك مضحكة مبكية.. وكان شيوعياً متطرفاً.
فقد كان يهين المتهمين ويشتمهم، ويخبرهم بأنه سوف يحكم عليهم بالموت.
وكان يحضر المحاكمة حثالات من المرتزقة، مهمتهم أن يلعنوا المتهمين ويهددوهم، وينشدوا الأناشيد المعادية للقومية العربية
وكان يفسح المجال «للشعراء» ليقفوا في المحكمة ويقرؤوا أشعارهم التي تمجّد الزعيم قاسم.. وتلعن الذين يقاومون عهده.
وكانت هذه الأشعار تقابل بعاصفة من التصفيق.. والهتافات.
وكان بين المسرّحين الزعيم ماجد أمين، وهو معروف بشيوعيته.
وقال البيان المذكور، إنه يطلب إلى هؤلاء الضباط أن يسلموا أنفسهم، من أجل حمايتهم من غضبة الشعب عليهم.
وأذاع الراديو العراقي، نداء جديداً، جاء فيه:
يا أبناء شعبنا الأحرار، اليوم يوم ثورتكم، اليوم يوم حريتكم، اليوم تحوم أرواح شهداء جيشكم فوق سماء بغداد فرحة بالثأر.. اليوم تحوم أرواح الشهداء صلاح الدين الطباع ورفعة الحاج سري وناظم الطبقجلي وعبد الوهاب الشواف وفاضل الشكر، ونحن في شهر رمضان المبارك، نثأر لشهدائنا.. اليوم تنهزم الفلول الخائنة مذعورة أمام زحف شعبنا العظيم، أمام زحفه في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية، فاثأري يا جماهيرنا لأبنائك واضربي بيد من حديد على كل مخرب..».
وبعد ذلك أذيع البلاغ رقم 3 عن تشكيل قوات الحرس الوطني «لتدافع عن الشعب والوطن». وقد جاء فيه «إننا ندعو قوات الجيش الباسل والشرطة الوطنية إلى التعاون مع الحرس القومي في أداء واجباتهم المقدسة».
وأغلقت الحركة الانقلابية الحدود والمطارات، منعاً للدخول والخروج.
ومنعت التجول من الساعة الثالثة بعد الظهر (من اليوم الأول للحركة) إلى إشعار آخر.. ويمكن، من أجل الطلبات الضرورية، الاتصال بأقرب آمر عسكري. وكل مخالفة لهذا الأمر، تُعرِّض فاعلها للرمي بالرصاص فوراً ودون سابق إنذار.
السبت 9 شباط
أذاع راديو بغداد صباحاً، البيان التالي:
«استناداً للسلطة المخولة للمجلس الوطني، انتخب المجلس الوطني من بين صفوفه السيد عبد السلام محمد عارف رئيساً للجمهورية حتى انتهاء فترة الانتقال».
وشكّل المجلس الوطني حكومة جديدة برئاسة أحمد حسن البكر، وعضوية علي صالح السعدي (وزيراً للداخلية) وطالب شبيب (وزيراً للخارجية) والمقدم الركن صالح مهدي عمَّاش (وزيراً للدفاع) والدكتور أحمد الجواري (وزيراً للتعليم).. وفي الوزارة سبعة عشر وزيراً آخرون.
وقد تأكد أن بين الوزراء، سبعة وزراء بعثيين، هم علي صالح السعدي وطالب شبيب وسعدون حمادي وحازم جواد وعزة مصطفى وحميد خلخال وصالح مهدي عماش.
وعرفنا أن الهجوم على مقر الزعيم قاسم بدأ صباح الجمعة، بقصف جويّ، قامت به طائرات عسكرية، وسانده هجوم بالدبابات على المقر المذكور في وزارة الدفاع..
وحاول قاسم التفاوض مع المهاجمين، إلا أنهم رفضوا إلا أن يستسلم بدون قيد أو شرط. فحاول الهرب، إلا أن القبض ألقي عليه.. وتم إعدامه في الحال.
وعلقت جريدة الرأي العام، بقلم أحمد عسة على هذا الانقلاب المظفر، «بأن على كل مواطن (سوري) أن يرفع شعار لا هوادة مع الناصريين» ويجب «على كل مؤمن بِكيان سورية وضرورة سلامتها أن يشترك في حمل المسؤولية ضد الناصرية».. وأنه «لا يجوز أن يسود بيننا إلا كل من يحمل خشبته على كتفيه وينذر نفسه للدفاع عن سلامة وطننا ضد الطامعين والأعداء حتى النهاية».. وإني على مثل اليقين بأن سورية تستطيع أن تظفر في هذه المعركة التي تواجهها..»،.
وحين أزفت ساعة الحسم، بعد شهر من الزمن، كان حضرته أول من أطلق ساقيه للريح!.. حاملاً خرجه الفارغ ليطوف به على «أهل الخير».
وفي الهيجاء ما جربت نفسي
ولكن في الهزيمة كالغزال
وقد أخذت اعترافات الدول بالوضع الجديد في العراق تترى.. فقد اعترفت به حكومة القاهرة وحكومة اليمن وحكومة الكويت.. وقالت إذاعة لندن «.. كان من الواضح تماماً في السنة والنصف الأخيرة.. أن نظام الفريق عبد الكريم قاسم كان يسير في أموره على غير هدى وبدون هدف ما. وكان يتمتع بقليل من الاحترام في العالم العربي دون أن يتمتع بأي تأييد إيجابي من شعب العراق نفسه. وكان جهاز الحكومة في حالة فوضى..».
وتحدّثت الإذاعة البريطانية عن فوضى الاقتصاد العراقي، إلى جانب ما تجره الحرب الأهلية ضد الأكراد.. وتهديدات قاسم الموجهة ضد الكويت «باعتباره جزءاً من العراق».
وأذاعت إذاعة بغداد فيما بعد.. أنه تمّ قتل أو إعدام قادة العهد القاسمي: عبد الكريم قاسم وعباس المهداوي ووصفي طاهر وطه الشيخ أحمد.
وطلب الراديو العراقي من المواطنين «إفناء الشيوعيين».
وقد أذاعت محطة الإذاعة السورية، في الساعة الثانية والربع من هذا اليوم السبت اعتراف الحكومة السورية بالثورة العراقية.. وهي تشعر بقرب نهايتها لأن انقلاب العراق، قطع أوداجها، وبشرها باقتراب مصيرها المحتوم.
ويُخشَى أن تستجمع فلول قواها فتلجأ إلى العنف، لتمد من أجلها.. وقديماً قيل:
اخشَ ضربة الخائف الجبان.
ومن باب الاحتياط قدّمت الحكومة السورية بدء العطلة الانتصافية في المدارس فقررت إغلاقها تحسباً من المتاعب، قبل عشرين يوماً من بدايتها القانونية المقررة!. وهو عمل لا يصح أن يقدم عليه من كان يشعر بأصغر قسط من المسؤولية.
وأخبرنا رشدي الحامد، على لسان خالد العظم رئيس الوزراء المريض، أن مجلس الأمن القومي، بحث في اجتماع له اليوم، ترأسه الدكتور القدسي، ثلاثة اقتراحات:
1 - إعلان الأحكام العرفية في البلاد إعلاناً شاملاً لكل أراضي الجمهورية.
2 - اعتقالنا نحن الخمسة «الخماسي الناصري».
3 - اعتقال عدد من ضباط الجيش المشتبه بولائهم الوحدوي (الناصري).
ووافق عليها رئيس الجمهورية.. تحت ضغط العسكريين عليه، غير أن خالد العظم - كما سرب لنا - رفض الاقتراحات الثلاثة.
ولكن صديقنا الحامد علّق على هذا الخبر بأنه يعتقد أن اعتقالنا هو في مصلحتنا وأضمن لحياتنا.. وإذا لم نعتقل، فإن «مصلحتنا ومصلحة البلاد تتحقق في غوصنا تحت الأرض».
وقررنا أن الأعمار بيد الله، وأن أمر اعتقالنا أو عدمه ليس في يدنا، نقرره أو نرفضه.. ولكن لن نغوص تحت الأرض.. وسنبقى على سطحها شوكة مدببة في حلق الانفصال.