عام 1963 - الجزء 4: إنذار عادل الحاج مراد ومطالبة الضباط بحكومة يرأسها حومد أو البيطار أو الأتاسي
الأحد 10
تتوارد الأخبار الواردة من العراق، وكلها تؤكد رسوخ أقدام القائمين بالانقلاب، كما تؤكد إعدام كبراء العهد البائد.
ومنهم من تم سحله، على عادة أهل العراق، ومنهم من قبض عليه في ملاءة امرأة فتمّ قتله، حيث قُبِضَ عليه..
وتذكر الأخبار أن الشعب انقضّ على أنصار قاسم، وخاصة الشيوعيين منهم وأعمل فيهم السيف.. حتى قيل إن عشرة آلاف شخص قتلوا في يومين.
وليس من شك بأن هذا الأسلوب مخالف لكل خلق وفانون.
ولو سلك القائمون على الأمر الطرق الأخلاقية، لأحالوا كل متّهم إلى محكمة نظامية تنظر في ما ينسب إليه وتحاسبه عليه.
ولكن الذين يبررون هذه الأفعال، يقولون بأن نظام قاسم أذلّ العراقيين وأهانهم ونكّل بهم واليوم جاءتهم فرصة الانتقام، فأطلقوا لغرائزهم الأعنّة.. خاصة وهم لا يخشون مساءلة أو محاكمة.
وقد أصبح معروفاً أن عبد الكريم قاسم حين أحال عبد السلام عارف على محكمة المهداوي، فحكمت عليه بالإعدام، لم ينفذ الحكم فيه.. غير أنه استعان بالشيوعيين لتوطيد أركان عهده، فاندفعوا ينكلون بالقوميين،، حتى قيل إنهم كانوا يقتلون الشخص ويعلقونه إلى جذع شجرة، ويأخذون بتقطيع جسده وهم ينادون: «كيلو القومية العربية بفلس».
وأذيعت اليوم برقية التهنئة التي أرسلتها الحكومة السورية إلى الحكومة العراقية.
ويذكر الفريق زهر الدين، أن الجيش هو الذي طلب إرسال التهنئة، وأن رئيس الجمهورية عارض بشدة هذه المبادرة.. فطلب زهر الدين عقد جلسة مستعجلة لمجلس الوزراء وأيّده وزير الخارجية أسعد محاسن، فانعقد بعد ساعة، وقرر إرسال التهنئة.
غير أن الضباط الوحدويين طلبوا من قائد الجيش إرسال وفد عسكري إلى بغداد لتهنئة قادة العهد الجديد فيها. ووافق الفريق زهر الدين على هذا الطلب، وتقرر تشكيل وفد من أربعة ضباط كبار بينهم اثنان أعرفهما شخصياً، هما العميد نور الله الحاج إبراهيم والعقيد عادل الحاج مراد.
وسافر الوفد إلى القامشلي في طريقه إلى بغداد.. غير أن اللطمة على وجه مرسليه لم تتأخر، فقد اعتذرت الحكومة العراقية عن استقباله «بحجة أن جثث القتلى تملأ الشوارع». فأعيد الوفد إلى دمشق، بخُفي حنين.
وقد حصل أربعة من قادة حزب البعث السوري على إذن بالسفر إلى العراق لدراسة الأوضاع فيها، وهم السادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار وشبلي العيسمي ومنصور الأطرش.. ولم نرَ نحن ما يحملنا على طلب مثل هذا الإذن، انتظاراً ما يجيء به الغد.
ثم إن لنا من يقوم بهذا العمل عنا خيرا منا، وله عينان ساهرتان ودماغ لا يعرف الكلل ولا الملل.. لا سيما ونحن لا نعرف أحداً من رجال العهد الجديد.
وقررنا إرسال برقية، دون أن نكون واثقين من قبول إدارة البريد بإرسالها.. وقد كلفتنا سبعين ليرة سورية.
وفيما يلي نصها:
سيادة الرئيس عبد السلام عارف رئيس الجمهورية العراقية
بغداد
إن ثورة 14 رمضان المباركة أعادت إلى ثورة 14 تموز المجيدة روعة إشراقها ونبل أهدافها وسمو غاياتها فقضت على الطغيان وصححت الانحراف وثارت للأبطال الأبرار وأعطت درساً لكل من يقف بوجه إرادة الشعب وينحرف عن أهدافه ويستغل أمانيه ووضعت الشعب العربي في العراق على الطريق الصحيحة ليسير قُدُماً في طليعة الركب العربي المتحرر نحو تحقيق الوحدة أمل ملايين العرب من محيطهم إلى خليجهم.
لقد بذل الشهداء خلال السنين والأجيال زكي دمائهم للوصول إلى الوحدة وخاصة الطليعة العربية أقسى النضال وأشرفه لتشهد بزوغ فجرها.
إن آمالاً ضخمة معقودة على قيادتكم الرشيدة لتطهير أرضكم المقدسة المغتصبة من رجس الصهيونية وتحرير كل جزء عربي واقع تحت وطأة الاستعمار والاحتلال وجعل الآمال العربية التي تتجسد في الوحدة والتحرر والاشتراكية والديمقراطية حقيقة يسعد بها شعبنا العربي الخالد.
لقد قضيتم بثورة 14 تموز على العمالة والفساد وأزلتم بثورة 14 رمضان الطغيان والشعوبية والإقليمية والانحراف بالأهداف القومية عن مثُلها السامية إلى الغايات الصغيرة والأمجاد الرخيصة.
حقق الله سبحانه على أيدي أبطالكم الميامين، وأنتم منهم في الذروة والطليعة، ما تنشده الجماهير العربية المؤمنة المخلصة من عزة وقوة ومستقبل باهر عظيم في ظل وحدة مقدسة تزيل الحدود المصطنعة والكيانات الزائفة وتعيد للعرب منذ كانوا أمة واحدة في دولة واحدة ما سطروه على جبين الدهر من مجد وحضارة وقيم وخلود.
10/2/1963. 16 رمضان 1382
علي بوظو
عبد الصمد الفتيح
عبد الوهاب حومد
نهاد القاسم
راتب الحسامي
واقترح بعض إخواننا أن ندفع بالشعب إلى الشوارع ومهاجمة مؤسسات الدولة. لأن العهد السوري في رأيهم لفظ أنفاسه، وأن رجاله يفكرون بالهرب.
وعارضت هذا الاقتراح بشدّة، لأنّي كنت قانعاً أن العهد سيسقط كبيت من الورق، فلماذا نزج الناس في طريق العنف.. ونعرضهم لانتقام الخائف المذعور؟ وأعدت التأكيد على إخواننا. وخاصة اللواء محمد الجراح، بأننا يجب أن نظل، كما بدأنا، وحدويين، نعمل دون تنسيق أو اتصال مع ضباط القوات المسلحة.
ووقعت في يدي جريدة دمشقية، فرأيت صورة الوفد المسافر إلى ألمانيا للبحث في توقيع قرض مالي لإنشاء سد الفرات.
وأزعجني حقاً، أن أرى المهندس نور الدين كحالة، يمشي خلفهم كالمنبوذ، هذا الذي كان في الأمس القريب، نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة، نائب عبد الناصر أثناء الوحدة.. ورئيساً للمجلس التنفيذي السوري!.
ولم يتأخر في السعي للحصول على وظيفة في مشروع سد الفرات.. فقدمها له الانفصاليون.. وقبلها، ناسياً مجده في الأمس، ومقامه الرفيع.
وليس الخطأً خطأه، وإنما خطأ الذي اختاره.
وقمت، في المساء، بزيارة السفارة العراقية، لتهنئة أعضائها بالنصر القومي الذي تحقق في بغداد.. وسلمت السفير (ربما القائم بأعماله) صورة عن البرقية التي أرسلناها إلى الرئيس عبد السلام عارف.
ولقد أثلج صدري، الاستقبال الكريم الذي أحطّتُ به من هؤلاء الأخوة الأعزة، وشعرت بأن اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وتمنيت لو أن «زعانف» الانفصال رأت كيف يكرّم أصحاب المبادئ الصافية.
وقد أذاعت الحكومة العراقية جوابها على برقية الحكومة السورية، وكانت تنضح تقريعاً وتبكيتاً، كما أذاعت جوابها على برقيتنا، عدة مرات، وهذا نصه:
إخواننا الأعزاء على بوظو وعبد الصمد الفتيح وعبد الوهاب حومد ونهاد القاسم وراتب الحسامي. اغتبطنا ببرقيتكم الأخوية ونؤكد أن ثورة 14 رمضان المباركة تعبير صادق لتحقيق أهدافنا القومية وفي مقدّمتها الوحدة والحرية والاشتراكية.
سدد الله خطى الجميع لتحقيق الوطن العربي الكبير.
بغداد 2 شباط
عبد السلام محمد عارف رئيس الجمهورية العراقية
وعلمنا أن الحكومة السورية ترددت في إذاعة البرقية الجوابية العراقية، لأنها لم تجدها لائقة، لما تضمنته من نقد مبطّن ووخر أليم، للكيان السوري الانفصالي.. غير أنها انتهت إلى ترجيح إذاعتها، حتى لا تخبر السفارة العراقية بدمشق حكومتها، بأن الحكومة السورية رفضت أن تذيع برقيتها التي وجهتها إليها جواباً على تهنئتها لها.
وفي المساء وصلنا نبأ خاص جداً عن طريق صديق لنا في اللاذقية، هو العقيد سعيد، يقول فيه ما يلي:
1 - فعلاً، الجيش هو الذي فرض على الحكومة أن تعترف بحكومة العراق، وترسل برقية التهنئة. وإذن، فما أخبرنا به الأستاذ رشدي الحامد، هو صحيح.. وموثوق.
2 - إن قوات عسكرية في لباس الميدان، تحركت في اتجاه دمشق.. في أوائل هذا الشهر.. القسم الأول منها، بقيادة العميد عادل الحاج مراد، قائد أحد ألوية الجبهة مع إسرائيل، وهو وحدوي، ومن طلابي في حلب. وقد حدثني فيما بعد بهذا الموضوع، حين التقينا بعد 8 آذار (القادم).
والقسم الثاني، قوات حمص.
وقد أخبروا الحكومة بأنهم يطلبون تنفيذ مقررات حمص التي اتخذت بعد انقلاب 28 آذار 1962، وتدخل العقلاء، فتوقف الزحف على أن تجاب مطالبهم بكاملها خلال مدة أقصاها 15 شباط الحالي، مع احتمال تمديد الإنذار حتى 22 منه، إذا برهنت الحكومة عن حسن نية، وهو آخر موعد.
وقيل لنا إن الإنذار الذي وجهه عادل الحاج مراد، مؤرخ في 3 شباط، وأنه إذا لم ينفذ في موعده، فإنه «سوف يهدم القصر على من فيه».
ولخّص النبأ لنا، مطالب «المتمردين» بالأمور التالية:
1 - إقالة القيادة العسكرية. وقد سرت إشاعة بأن زهر الدين قدم استقالته فعلاً، وحين كتب مذكراته ونشرها في بيروت عام 1968، ذكر بأنه «قدم استقالته للمرة الثالثة»، (ص407).. وكتب «بيان الوداع للجيش».
ب - إقالة الحكومة التي يرأسها خالد العظم، المريض والمنقطع عن العمل منذ أيام. وقد صرح أكرم الحوراني للصحف اليوم بأن «وزراءه مستقيلون ولن يعودوا إلى الحكم».
أما صديقنا رشاد برمدا، فقد قدم استقالته، كما أخبرنا هو بها، ولكنه عاد من حلب «لينقذ الموقف المتدهور».
وقد يكون غير رأيه في الاستقالة، وقيل أنّه سوف يسحبها. وسحبها فعلاً، وعاد إلى نشاطه المعهود.
ج - تشكيل حكومة جديدة ذات اتجاه وحدوي لا شكّ فيه، يكون على رأسها واحد من ثلاثة من القادة «الناصريين»، هم عبد الوهاب حومد، أو صلاح البيطار أو جمال الأتاسي، ويكون وزراؤها من الوحدويين، شريطة أن يتضمن بيانها الوزاري تعهداً صريحاً بإقامة اتحاد فدرالي مع مصر.
وكأن إخواننا «قبضوها»، فهمس كل من علي بوظو وعبد الصمد في أذني، بأنه يرغب في أن «أختاره نائباً لرئيس الوزراء».
وكأن المسالة توقفت عند توزيع المناصب.
وركز الدكتور عابدين حمادة طلبه في أن يتولى وزارة التربية..
وشعر الانفصاليون بالقلق، وبأنهم أصبحوا محاصرين، وأن نهايتهم باتت أقرب إليهم من حبل الوريد، فصرح مصطفى حمدون وعبد الغني قنوت (وهما من أركان حزب أكرم الحوراني) بأن الانقلاب العراقي من «عمل إخوانهم البعثيين العراقيين»..
ولكنهما نسيا أن يقولا إنهم من جناح عفلق والبيطار.. الوحدوي الاتجاه، وليس من جناح الحوراني، الذي قطع كل صلة بينه وبين أي حديث عن الوحدة، إلا الوحدة «الكبرى» التي هي مجرد ورقة توت، ليس من شأنها أن تستر عورة..
الثلاثاء 12
طلب إلينا الأستاذ رشاد برمدا، وزير التربية أن يجتمع معنا، في غضون ساعة وقد أخبرنا أن أكثر الوزراء استقالوا، الاشتراكيون وأمين النفوري، ووزيرا الإخوان المسلمين، نبيل الطويل وعمر عودة الخطيب.. وأنه هو نفسه مستقيل أيضاً.. وقد علل استقالته بأن «سوف يكرس حياته لتهديم أكرم الحوراني وجماعته».. وأخبرنا بأن مرسوماً سيصدر بتسمية أسعد الكوراني (وزير العدل الحالي) نائباً لرئيس مجلس الوزراء، حتى يباشر أعمال رئيس الوزراء، طيلة مرض خالد العظم، المعتكف في بيته.
وتتجه النية إلى إدخال بعض وزراء «تكنوقراطيين»، وذكر اسم الدكتور مدني الخيمي والأستاذ رفعت زريق وقاضي الصلح عدنان منصور، وهو «حوراني الاتجاه» ويشغل منصب محافظ حماه..
وبسبب صداقتنا، نصحت الأستاذ رشاد أن يصرّ على استقالته، ليخرج من هذا المستنقع الوسخ.. ولعله لا يجهل أن قوات الأمن أصبحت تتصرف كالعصابات التي تمارس الإرهاب في الليل وفي النهار، والحكومة مشلولة، وكأنها ليست في العير ولا في النفير.. ولينظر إلى نفسه هو الوزير اللامع، ويسألها ماذا في يده من سلطة الحكم؟..
وقد قرأنا اليوم جواب الرئيس عبد السلام عارف على برقية الرئيس شكري القوتلي، أنقل نصها عن جريدة «الرأي العام» التي نشرتها ولم تنشرها أي جريدة أخرى، فيما يلي:
السيد شكري القوتلي - دمشق
سررنا ببرقيتكم ونؤكد لكم، ونعاهد الله على اعتزازنا ووفائنا بما سطرناه في دمشق الغالية يوم 19 تموز 1958، ولا مجال للرجعية والانتهازية في ثورة 14 رمضان المبارك، المنقذة لإرادة شعب 14 تموز. ولنا وطيد الأمل بشقيقنا الشعب العربي في سورية، للعمل يداً واحدة، لتحقيق أمانينا القومية في الوحدة والحرية والاشتراكية.
رئيس الجمهورية عبد السلام عارف.
وألاحظ على هذه البرقية الجوابية ما يلي:
١ - لم يكن الرئيس القوتلي على صواب في إرسال برقية تهنئة إلى ثوار العراق.. لأنه يعرف صلة الرئيس عارف، بالرئيس عبد الناصر.. والرئيس القوتلي تنكر للوحدة، وأيد الانفصال وهنّأ الكزبري من مقره في جنيف.. ثم عمل «وسيطاً» لحلّ بعض مشاكل الانفصاليين..
واليوم يسارع إلى تهنئة العهد العراقي، الذي قضى على نظام قاسم، الحليف الموثوق للعهد السوري الانفصالي.. ويصعب جداً وصف برقية القوتلي بأي وصف كريم.
2 - خلت البرقية من كلّ لقب تكريمي.. وقد جرت العادة أن يخاطب رئيس الجمهورية ولو كان «سابقاً» بلقب «فخامة الرئيس» حين تكون المخاطبة بين رئيسي دولتين.. واكتفى الرئيس عارف بمخاطبته بالسيد شكري القوتلي، حتى دون أن يستعمل كلمة«الرئيس»..
3 - إنه يذكره بالصك الوحدوي، الذي عقده عبد السلام عارف مع الرئيس عبد الناصر، حين جاء مع وفد وزاري إلى دمشق يوم 14 تموز 1958، بعد إسقاط النظام الهاشمي الملكي في بغداد، وخروج العراق من حلف بغداد المشؤوم، وكان الرئيس القوتلي حاضراً المحادثات الثنائية وباركها وباركته.. باعتباره «المواطن العربي الأول».. ولكنه، مع الأسف، أخرج نفسه من التيار الوحدوي الكريم، وانحاز دون سبب معقول إلى صف الانفصال ومعسكره.
4 - وأخيراً إن البرقية تنص على أن الرئيس العراقي وإخوانه «يضعون أملهم في شقيقهم الشعب السوري» لتحقيق الأماني القومية.. وليس في رئيس سابق أو رئيس حالي، لم يعد له من الرئاسة إلا التسمية الخالية من كل معنى..
وعلى نفسها جنت براقش..
وأيام الشدة، هي التي تكشف معادن الرجال.. أما الذي يسبحون مع كل تيار، فإنهم لن يظفروا إلا بما يستحقون. ولا أحب أن أزيد، فقد كان للرجل جهاده القومي ومواقفه الوطنية.. وأقول: كان.