وراء القضبان - الجزء 10: التدريس في الرباط والكويت، ونقد صريح وجهه إلى اللواء خليفاوي
السفر إلى جامعة الرباط
أصبح شعورنا أن موضوع الوحدة، قد طوي على الساحة العربية.. فقد تعاون جناحا البعث في دمشق وبغداد على مقاومة عبد الناصر. وكان الانفصال السوري أصابه بجرح عميق لم يشف منه أبداً، كما لم يشف البلاد من الجرح الغائر الذي أحدثه الانفصال في قلبها.
فألقى عبد الناصر بقواته في اليمن.. وانشغلت سورية بنفسها، كما انطوى العراق على أوجاعه، التي أحدثها الصراع بين كتلة الفريق عبد السلام عارف وحزب البعث.
وأصبح الحديث عن «غول الوحدة» مجرد ترف كلامي، لا يسعى إلى مواجهته أحد بجد.
وبذلك انتصر المعسكر الاستعماري الذي لم ينم على ضيم، حتى أذل الوحدة والوحدويين.. لأنه لا يطيق لا هؤلاء ولا تلك.
ومما قرأته في هذا الموضوع مؤخراً: أن الدكتور خلدون الحصري ابن المرحوم العلامة ساطع الحصري كتب بحثاً نشره في كتاب «دراسات في القومية العربية والوحدة» (الطبعة الأولى ١٩٨٤ ص ٢٣٤، ونشر في بيروت عن مركز دراسات القومية العربية والوحدة)، قال فيه إنه عثر على وثيقة سرية للخارجية البريطانية يعود تاريخها إلى ۱۳ حزيران ۱۹۳۳، وأبرز ما في هذه الوثيقة أنها تتضمن النص على وجوب مقاومة كل مسعى عربي إلى محاولة إقامة وحدة عربية «لمنافاتها المصالح البريطانية». ويضيف الباحث بأن هذه الوثيقة وضعت خصيصاً «لمقاومة أي مسعى قد يقوم به الملك فيصل الأول لتوحيد سورية والعراق».
ومن ذكرياتي أن الاتحاد السوفيتي، الذي كان في العادة يقف إلى جانب العرب، ضد الطوق الإمبريالي، عارض وحدة مصر وسورية عام ۱۹۵۸، وإن يكن الأستاذ خالد بكداش كان يؤيد الاتحاد. فلما تقرر قيام وحدة وليس اتحاداً، لم يحضر جلسة مجلس النواب، بوصفه نائباً عن دمشق، وغادر البلاد.
وفي هذا العام (١٩٦٦) نشر الأستاذ محمد حسنين هيكل كتاباً عنوانه «الاتصالات السرية بين العرب وإسرائيل»، تحدث فيه عن «مؤتمر كامبل بنرمان الذي عقد في لندن عام ١٩٠٥»، وصدرت عنه وثيقة تحمل هذا الاسم. وكامبل بنرمان هو رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الحين.
وقد جاء في هذه الوثيقة ما يلي:
1. هناك خطر في البحر الأبيض المتوسط، باعتباره صلة بين الشرق والغرب ويعيش على جانبه شعب واحد تتوافر له وحدة التاريخ والجغرافيا واللغة وكل مقومات التجمع والترابط (ربما يقصد الوحدة الدينية الإسلامية الغالبة)، فضلاً عن نزعاته الثورية وثرواته الطبيعية الكبرى.
2 - فإذا نقلت هذه المنطقة كل وسائل المدنية ومكتسبات الثورة الصناعية، وانتشر فيها التعليم والثقافة، فإن الضربة القاضية تكون قد حلت بالإمبراطورية الغربية القائمة.
3 - نتيجة لذلك يقر المؤتمر ضرورة العمل على إضعاف الوطن العربي، بالعمل على ما يلي:
أ - إقامة حاجز بشري غريب قوي في قلب الوطن العربي يفصل مشرقه عن مغربه.
ب. العمل على تكريس التجزئة ومنع أي محاولة وحدوية، بنفي المرتكزات الموضوعية التي تقوم عليها الوحدة (وحدة التاريخ والأرض واللغة..)، وترسيخ النزعة القطرية، بديلاً عن الانتماء القومي..
وعلى هذا الأساس تم تمزيق البلاد العربية، بمعاهدة سايكس بيكو عام ١٩١٦ ثم بصدور وعد بلفور عام ۱۹۱۷، وانتهاء بتقسيم البلاد العربية بين دول المعسكر الذي انتصر على الإمبراطورية العثمانية، وتنكر لكل مواعيده للأمة العربية.
وحين قامت وحدة مصر وسورية عام ۱۹5۸ رغم إرادة الدول الغربية (والشرقية أيضاً) لم تنم تلك الدول على ضيم، وعملت على إسقاط تلك الوحدة.. ووجدت ضباطاً مأجورين وساسة باعوا ذممهم للقيام بتخريب أول لبنة قامت بين العرب، لتكون نواة لجمعهم، ورفع شأنهم في عالم اليوم، وسلاحاً ماضياً لحمايتهم.
ولكن مفهوم الوحدة سقط، وأخذ يتضعضع، وأخذت القطرية تتجذر.. وها هم العرب اليوم «يهرولون» إلى معانقة بيريز ورابين (قبل أن يغتاله متطرف يهودي).
وما يخفيه الغد أبشع وأكثر قتاماً.
وفي هذه الأوضاع النفسية والإرهاق المعنوي طلبتني جامعة الرباط لكي أدرس في كلية الحقوق القانون الجنائي.. فقد وصلتني رسالة من السفارة المغربية بدمشق (رقم ٤٦٤ تاريخ 16/5/1964) تخبرني فيها بأن وزير التربية الوطنية بالرباط وجه إليها رسالة يطلب فيها إليها الاتصال بي لمعرفة رأيي في «التحاقي بجامعة محمد الخامس بالرباط» للتدريس فيها.
واستشرت صديقي عبد الصمد وراتب فشجعاني على «تغيير الجو»، وتقديم خدمة علمية لبلد شقيق، عوضاً عن البقاء متسمَّراً، لا أنفع ولا أضر.
وكان في المغرب أساتذة مصريون، غير أن المغرب أبعدهم حينما أيّد الرئيس عبد الناصر الجزائر في نزاعها ضد المغرب، وأرسل إليها أسلحة ورجالاً.. لذلك اتجهت جامعة الرباط إلى التعاقد مع أساتذة من سورية - لأنها كانت وحدها الأرض الصالحة» لتقديم هذه الخدمة، ولديها بعض الخبرات المعطلة.
وأبلغت السفارة برغبتي في العمل في الجامعة المغربية. ولكن الذي حدث، هو أن الحكومة السورية رفضت منحي جواز سفر للخروج به.. واستمر هذا المنع نحواً من سبعة شهور، ولم أظفر بجواز رسمي (كوزير سابق) إلا حين مرّ وزير الخارجية المغربية بدمشق، وتعاون مع السفير في إقناع حكومتنا في الإفراج عن الجواز، وقد وفق في مسعاه.
وغادرت دمشق، إلى باريس، فالرباط، في شهر آذار ١٩٦٥.
وفي المطار استقبلني الدكتور مأمون الكزبري (رئيس وزراء الانفصال) والدكتور مصطفى البارودي (وزير إعلام ذلك العهد)، وبعض الأساتذة السوريين والمغاربة.. وباشرت عملي ثاني يوم وصولي.
ومن أجل تعاملنا في مجلس الكلية وفي العيش معاً في بلد نحن «ضيوفه»، اتفقنا نحن الأساتذة الثلاثة في كلية الحقوق الكزبري والبارودي وأنا على أن نتعامل كأساتذة دون أن يكون لماضينا السياسي دور في أداء واجباتنا الجديدة.
وسارت الأمور على أحسن ما يرام.
ومن سوء حظي، وأنا أنعم بضيافة المغرب المضياف، وأستمتع بحسن استقبال أساتذة الكلية المغاربة لي، وتهذيب الطلبة الرفيع، أن جاءتني الشرطة ذات ليلة عند الواحدة والنصف صباحاً، واقتادتني إلى المخفر، ولما يمض على وصولي إلا أيام قليلة.. ولم أكن أعرف بعد بسهولة طريق الوصول إلى فندقي.
وفي المخفر وجدت بعض الأساتذة السوريين وبعض المصريين ممن استطاعوا البقاء في الجامعة ومن المعتقلين الأستاذة السيدة مودت الجابري.. وهناك بقينا ثلاثة أيام، لم ننعم فيها براحة النوم، وإن كنا تسلينا بما قصصناه على أنفسنا من نكات وتعليقات ممتعة.
وحين أفرج عنا، قررنا مغادرة البلد إلى وطننا، غير أن مدير الجامعة الأستاذ محمد الفاسي ألحف علينا بالرجاء بعدم اتخاذ هذا القرار الخطير، لأن ذهابنا سيكون عوناً للمتفرنسيين على مقاومة التعليم العربي في المغرب، وهم كثر وأقوياء. وأقام لنا حفلة كريمة، ألقى فيها خطاباً طيباً اعتذر فيه عما حدث لنا من اعتقال، ووجه إليَّ الأستاذ عبد الرحمان (كما يكتب اسمه) ابن عبد النبي عميد الكلية، رسالة «يرجو فيها من نفسكم السمحة عدم إحرام (حرمان) الطلبة من زادكم العلمي ووفير تجربتكم القانونية».
واستمرت إقامتي الحلوة في جامعة الرباط أربع سنوات إلا بضعة أشهر، توجهت بعدها إلى التعليم في جامعة الكويت.
ومهما قلت من خير عن إقامتي وعملي في المغرب، فلن أستطيع إيجاد الكلمات القادرة على إيفاء هذا البلد الشقيق وأهله حقه من مشاعري وعرفاني.
ولكن ليس هنا موضع الحديث عن هذه الإقامة العزيزة على نفسي.
وقد وقعت حرب حزيران عام ١٩٦٧ بين العرب وإسرائيل، وأنا في الرباط.. وشهادة لله، بأن عواطف المغاربة، كانت مع المشارقة.. حتى أن بعضهم بكى حين سمع أنباء الهزيمة.
أستاذ في جامعة الكويت
باشرت عملي في كلية حقوق الكويت في أول أيلول ١٩٦٨.. وخصصت لي الجامعة شقة جميلة على شاطئ الخليج العربي في منطقة السالمية.. ولم أشعر بالاغتراب، وأنا أنتقل من بلد شقيق إلى بلد شقيق آخر.
وكما كنت سعيداً بالمغاربة، سعدت بالكويتيين أيضاً.. وأشهد أنني لم أشعر بالغربة أبداً، لا في المغرب ولا في الكويت، لأنني أعتبر الوطن العربي على تعدد أقاليمه، وطني ووطن أبي وأمي. وإلا فلماذا أنا قومي عربي؟
ولن أتحدث عن عملي في الجامعة، لأنه يخرج عن نطاق كتاب سياسي.. ولكني سأتحدث عن بضع مقابلات تتصل بالعمل السياسي السوري وقعت لي في تلك الفترة، التي تلت عودتي إلى التدريس الجامعي.
1. مقابلة مع اللواء عبد الرحمن خليفاوي
زارني الدكتور محمد العمادي في بيتي مساء الثلاثاء ٣ آب ١٩٧٦، وكان معه الدكتور عبد السلام كنعان.
والدكتور العمادي من طلابنا اللامعين في كلية الحقوق، وقد ساعدتني الظروف فأوفدته للحصول على الدكتوراه في العلوم المالية من أمريكا.. ونجح بها في تفوق، وقد كان معنا في الكويت مديراً للصندوق العربي للإنماء، وهو منصب ليس من السهل الحصول عليه، إلا لذوي الكفاءات النادرة، والميزات التي تقدم لشاغله، مجزية ومغرية.. ولسبب لا أعرفه، ترك رئاسة الصندوق، وعين وزيراً للاقتصاد والتجارة الخارجية في الوزارة البعثية التي شكلها الأستاذ محمود الأيوبي في ۲۳ كانون الأول ۱۹۷۲. ولا يزال في منصبه هذا منذ ذلك التاريخ نحو ٢٤ سنة حتى الآن).
وكان عمر الوزارة في أيامنا شهوراً قليلة..
وعاشت وزارة الدكتور معروف الدواليبي عام ١٩٥١ أقل من ٢٤ ساعة!.
ولسبب لا أعرفه أيضاً، استقالت وزارة الأيوبي بعد نحو من أربع سنوات، وكلف بتشكيل الوزارة الجديدة اللواء عبد الرحمن خليفاوي، الذي كان وزيراً للداخلية في الوزارة السابقة التي شكلها الفريق حافظ الأسد، في أعقاب الحركة التصحيحية التي قام بها لإسقاط حكومة الدكتور نور الدين الأتاسي (١٦ تشرين الثاني ۱۹۷۰).
وقد يكون اختيار اللواء خليفاوي لوزارة الداخلية، نابعاً من سمعته كضابط كفء ومستقيم، إلى جانب صرامته في أعماله.
وتحدثنا في هذه الجلسة في شتى المواضيع. ولم نضن على المواضيع السياسية بأكثر الوقت.
وأسجل للذكرى، أن العمادي لم يكن مرتاحاً لسير الحكم، وانتقده وأعرب عن أمله في أن تتحسن الأوضاع إذا وفق اللواء خليفاوي في تشكيل الوزارة الجديدة.
كنت تلك السنة في تفرغ علمي من جامعة الكويت، ومدة التفرغ سنة كاملة نصفها براتب ونصفها الآخر بدون راتب. وقد قضيتها في دمشق، لكتابة كتابي «الإجرام الدولي».. الذي عاونتني هيئة الأمم المتحدة على إنجازه، بما أمنته لي من وثائق صورتها (على حسابي).
وإذن فقد كنت عارفاً بما يجري في البلد.. بسبب معايشتي أحداثه ورجاله.
وتكلمت أنا أيضاً، منتقداً الأوضاع الداخلية العامة.
وأخبرني الدكتور العمادي في زيارته لي في اليوم التالي، بأنه نقل أكثر انتقاداتي إلى اللواء الخليفاوي، فاهتم بها، وطلب من العمادي أن يجتمع بي «ربما ليطلب مني التعاون».. وحدد لي يوم الغد موعداً في بيته.
وقلت للعمادي: أنا لم أعد أفكر في العمل في أي مجال، ما عدا التدريس الجامعي، ولم تعد سني تسمح لي بتولي أي منصب عام أو سياسي.. ورجوته أن يعفيني من هذه المقابلة.
وذهب الدكتور، وعاد في اليوم التالي، وأخبرني أن الخليفاوي مصر على مقابلتي وهو في انتظارنا في بيته الآن.
ولم يكن هناك وسيلة أخرى أتوسل بها للاعتذار، فتوجهت في سيارة المرسيدس السوداء الفارهة، ذات الستائر السوداء «حتى لا يصاب راكبها بعين الحساد».. واستأذنا من الحارس، ودخلنا إلى الفيللا الخليفاوية في المزة.
كان اللواء يرتدي ملابس «سبور».. وقد استقبلنا بكل بشاشة وترحاب.. وأدخلنا إلى إحدى الغرف، وجلسنا نحن الثلاثة، وأمر بعدم إدخال أحد علينا.
وتحدثنا وامتد الحديث نحواً من ساعتين، كان اللواء هو الذي كان يحمل صينية القهوة، والضيافات، ويقدمها لنا بنفسه.
ووجهت إليه شكري على لباقته.
وبدأ حديثه بالثناء علي» وأنه «يعتبرني من رجالات الدولة الذين قدموا للبلد خدمات جليلة»، وهذا - وأشار إلى العمادي - «أحد ثمارها اليانعة».
وتكلمت أنا وقلت له، لأقطع الطريق على كل عرض يعرضه، أنا لا زلت مرتبطاً بعقد مع جامعة الكويت، وليس في نيتي التخلي عنه.. ثم إني لم أعد راغباً ولا قادراً على القيام بأعباء أي منصب حكومي، لا في الداخل ولا في السفارات.
ويسبب عزوفي عن المناصب كلها، أرجو عدم عرض أي شيء علّي.
وظهرت على وجه الرجل أمارات الاستغراب، وسألني: فهمت من الدكتور العمادي أن لك آراء في الأوضاع العامة، وأحب أن أسمعها منك شخصياً.
وتحدثت بصراحة، وطال الحديث وتشعب وتنوع.. وأمامي الآن ثلاث ورقات أنظر فيها بعد عشرين سنة من كتابتها، تلخيصاً لهذه الجلسة.. وقد أعدت قراءتها، وأسأل نفسي، هل كنت على صواب في هذا الحديث ثم كيف احتمل مني رئيس مكلف بتشكيل الوزارة، وحزبي بعثي قديم، وضابط معروف بقوة الشكيمة والجرأة، كل ما قلته في نظام الحكم؟
ولعله احتملني، لأني متقدم في السن، وأني ضيف عليه في بيته، ومن عادة العرب إكرام الضيف، ثم لأن الدكتور العمادي، قريب جداً من نفسه، وهو الذي أخذ مبادرة جمعنا في هذه الجلسة.
ومن عجب، أن الذي قلته قبل عشرين سنة، يصلح أن يقال الآن، شريطة أن يضاف إليه قول أشد إيلاماً وكشفاً.
وفيما يلي موجز للحديث:
أ - الوضع الداخلي
ذكرت له، أنه لا بد من تسجيل نقطتين إيجابيتين:
استقرار أمني أكبر..
وفتح للحدود لمن يرغب في السفر إلى الخارج ألين.
غير أن شدة تسلط المخابرات على الناس، والحديث المستمر عن اعتقالات اعتباطية لأناس أبرياء، وعن تجاوزات على الكرامات، تجعل المواطنين في خوف على أنفسهم وأولادهم، وتزيد من كراهيتهم للنظام السياسي بكامله.
وأكدت له أن الدولة تظهر وكأنها غير موجودة إلا لحماية النظام السياسي فقط.. أما الضعفاء، فإنهم لا يجرؤون أن يطالبوا بحق، لعدم قدرتهم على الوصول إلى أصحاب القرار.
أما الفساد المستشري في جهاز الدولة، فإنه على كل لسان. ولا يكاد يخلو مجلس بين اثنين، إلا ويجري الحديث عن الصفقات المشبوهة والعمولات بالملايين.
وكنت، وأنا أتحدث ألاحظ أن اللواء خليفاوي يهز رأسه هزاً خفيفاً، ولسان حاله يكاد يقول : نعم هذا كله معروف.
ب - وضع الحزب الحاكم
وحين لامست وضع حزب البعث، الذي هو عضو في قيادته القومية والقطرية، رجاني أن أتكلم بصراحة، وقلت له: أنا أعتقد أنك ما دعيتني إلى بيتك، وأنت منهمك في تشكيل حكومة جديدة، إلا لتسمع عن الوضع كله بصراحة.. وأقرأ في أوراقي ما يلي:
«إن الحزب متسلط على جهاز الحكم وعلى المواطنين تسلطاً لا يوصف.. ومن المؤكد أنك تسمع أن كثيراً من أعضائه يرتكبون الموبقات.. وأظن أن كثيرين منهم لم ينتسبوا إليه في الفترة الأخيرة إلا للتكسب والارتزاق.. والحديث عن ثراء بعضهم أصبح على كل لسان».
وبدا لي أن كلمتي: تكسب وارتزاق، أعجبتاه.
وسألته إن كان يعتقد أن المواطنين يتمتعون بأبسط حقوق الإنسان في بلدنا.. أما أنا فأرى أن الاعتقال أو التهديد به، لا ينسجمان مع أصغر مبدأ من مبادئ هذه الحقوق!.
وحدثته عن الفساد المستشري في الجامعة.. وأنا صاحب خبرة بالكثير مما يجري فيها.. والواقع أن الأساتذة الذين كان بعضهم من طلابي، يحدثونني عما يرون ويسمعون، في حالات من الذهول التي تبعث اليأس في الأنفس والقنوط..
ولم أنس أن أحدثه عن خطأ الشعار الذي يرفعه «خريجو المعسكر الاشتراكي» من أمثال جامعة لومومبا وصوفيا وبخارست.. بأن «عهد الجامعات الاستعمارية انتهى». ليهاجموا خريجي جامعات باريس وأكسفورد وكامبريج وهارفارد.. ويظفروا بكراسي الأستاذية، تحت ستار «تثقيف الطلاب حزبياً».. وضربت له مثلاً بنفسي، فقلت: لو كنت أنا أستاذاً في كلية الحقوق، لتدريس العلوم الجنائية، فبماذا يختلف الأستاذ غير الحزبي عن الأستاذ الحزبي حين يشرح لطلابه طرق إقامة الدعوى الجزائية أو حالات الطعن بالنقض، أو الجريمة المستحيلة، أو منظمة الأنتربول؟