السنة الثانية للوحدة - الجزء 12: تصريحات دبلوماسي أمريكي مخمور ضد الوحدة ورحلة العودة عبر لندن وهامبورغ
السبت 3
وكما اتفقت مع السفير مصطفى كامل فقد حضر لزيارتي في الفندق، وحضرت حفلة العشاء التي أقامها في السفارة..
وفي هذا الحفل تعرفت إلى عدد من الشخصيات الأمريكية:
لويس هندرسون، وكيل وزارة الخارجية
وروبرت مورفي، الذي أصبح من فرسان السياسة الشرق أوسطية..
وجونس، رئيس قسم الشرق الأوسط..
وقد أُجْلِستُ على المائدة الرئيسية.. وإلى جانبي السيدة بلاك، ولويس هندرسون وعبد الخالق حسونة، أمين الجامعة العربية، الذي كان يستجم من بلد إلى بلد، وحرم الدكتور القيسوني، والسفير "العربي" ومدير البنك الأمريكي (لا أذكر إذا كان اسمه المستر ولف)...
وأُجلست زوجتي على المائدة الرئيسية الأخرى..
وقد استخلصت من حديث السفير كامل "أنه لولاه، لربما سقطت السماء على الأرض"، وأن كل تقدم تحقق في علاقات مصر وأمريكا، إنما يعود الفضل فيه إلى علاقاته المتينة مع كبار رجال الحكم في واشنطن..
وقد يكون ذلك صحيحاً في قسم منه.. فوزارة الخارجية المصرية، سخية على السفراء.. فيجودون، ويظفرون بالتقدير والاحترام وحسن الصلات..
وهذا وضع لم يتح لسفرائنا السوريين قبل الوحدة.. فهم في العادة لا يتمتعون بالكفاءات المطلوبة، ثم إن ميزانية وزارة الخارجية لم تكن تسمح إلا بالقليل، فيما هو خارج عن حدود الراتب والتعويضات..
وأذكر أنني كنت في رحلة رسمية إلى بلد أوربي.. وجاءني "الدكتور السفير" يعرض عليَّ أن "يبيع" لي الدولارات التي أحملها في السوق السوداء بسعر مغر.. عندها أستطيع أن أشتري من "الهدايا" ما أشاء "بسعر التراب"...
وحين سألته، وكيف أجيب رجال الجمرك حين خروجي من بلدهم "محملاً مزملاً" دون أن أكون صرفت في البنك، ما يقابل الثمن من العملة الأجنبية، قال، سيدي، كل شيء يمكن أن يتدبر!..
والعجيب أن السعر الذي ذكره لي للدولار، أقل من نصف السعر الذي يباع في الكواليس.. ومعنى هذا إنه يريد أن "يتاجر" أيضاً لنفسه، نصفاً بنصف!..
وعوضاً أن يتقلص هذا التعامل القبيح، فقد تفاقم كثيراً مع الأيام.. وقد سمعت أن السفراء يسألون الشخص الرسمي الزائر، إن كان لديه مخصصات لإقامة حفلة له.. ولا أستبعد أن يكون رئيس الوفد قد استعمل نفقات تمثيل الوفد، لهذه الحفلة.. ولو أن الدعوة وجهت "على شرف الوفد" فقط، لكانت ألبق وأسلم!.. ولكنها وجهت "على شرف القيسوني والسيدة حرمه"...
وحدثت لي حادثة ما كنت أتوقعها، في هذا الحفل.. فقد كنت أتحدث مع أحد المصريين من السفارة العربية، حينما اقترب منا المستر جونس، وفي يده كأس من الخمر، وبدون أن يتعرف أحدنا إلى الآخر، كما هو المألوف في مثل هذه المناسبات، فقد توجه بكلامه إلى المستشار "العربي"، وخاطبه بفرنسية سليمة، بأن وحدة مصر وسورية ستكون وبالاً على مصر، وأنها غير طبيعية، طالما أن البحر يفصل بين البلدين، وأن الأمزجة والمشارب مختلفة فيهما... وأن مصر ستظل مصر بلد الأهرام والفراعنة وستعود سورية إلى سورية ما قبل الوحدة! لتغرق في مشاكلها ومتاعبها..
وأخذ وجه المصري يحمرَّ، وأظهر ارتباكاً واضحاً، لم يخف على رئيس قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية.. فأدرك بسرعة أن الجوَّ غير ملائم لهذا الحديث، وأنه يوجد بينه وبين مخاطبه، منغص غير مألوف.. هو أنا.. وسألني هل أنت سوري؟ قلت له نعم!.. ومن مواطني الجمهورية العربية المتحدة.. وراح يعتذر بأنه رجل سكير، وأنه إذا سكر فإنه لا يعود يسيطر على أعنَّة قدرته على التحكم في أقواله.. وأن وزارته كثيراً ما "وبخته" على مواقف له غير لائقة من جراء تعاطي الخمور..
وقلت له: إني أعرف أن هذه هي حقيقة سياسة دولتك، ولا حاجة للاعتذار.. ولكن لماذا تجد فروقاً بين مصر وسورية، لمجرد أن هناك بحراً بينهما، ولا تجد الفروق المذهلة في أمتك الأمريكية التي تتألف من مئة قومية وقومية، لا يجمعها جامع في الأصل، وهي مختلفة في الدين (يهود ومسلمون ومسيحيون) والقومية (من اليابانيين والصينيين إلى الزنوج والهنود الحمر) واللون (الأبيض والأسود والأصفر والأحمر)؟..
ووجدت أن متابعة الحديث معه لا جدوى منها، فهم يفكرون إسرائيلياً، ويستنشقون الهواء إسرائيلياً، ويتحركون في إطار القفص الإسرائيلي.. وكل من يظن فيه أنه يهدد سلامة إسرائيل يعتبر عدوهم الذي يجب أن يهدم. وكانت الجمهورية العربية المتحدة المنطلق الوحيد لهذا التهديد..
الأحد 4
ركبنا القطار من واشنطن إلى نيويورك..
وفور خروجنا من المحطة، أبصرنا مظاهرة كبيرة، من البولونيين يرفعون شعارات أحدها يقول: عشرون مليوناً من البولونيين تحت نير العبودية، يطلبون عونكم يا أمريكيين!.. إنهم يشتكون من النظام الشيوعي في بلادهم..
وعدنا إلى الوالدورف أستوريا..
وقد اصطحبنا قنصلنا العام الدكتور جورج طعمة إلى مقر هيئة الأمم المتحدة، الجاثم، كعلبة كبريت ضخمة، على شاطئ نهر الهدسون...
وكان من نصيبنا أن نسمع خطاباً كان يلقيه مندوب اليونان عن مشكلة جزيرة قبرص، التي احتلت تركيا قسمها الشمالي.. ولم ينس، جزاه الله خيراً، أن يتكلم عن "المأساة الفلسطينية" التي لا تزال عالقة من سنين طويلة، والتي إذا لم تجد لها حلاً عادلاً، فإن الشرق الأوسط لن يعرف الاستقرار..
واسترعى انتباهي أمران:
الأول: كثرة المقاعد الخالية.. التي غاب أصحابها عن المقر، أو خرجوا إلى الكافتريا على عادة أعضاء الوفود في المؤتمرات.. وفي العادة فهم يتفقون مع مصور، يلتقط لهم صورة، وهم في وضع "مهيب" أو وهم يتكلمون كلمة حول موضوع من المواضيع، ثم يعودون فينشرونها في إحدى الصحف (بأجرة أو بدونها)، وتحتها تعليق من المحرر، بأنه "أقام السماء وأقعدها ودافع عن مصلحة بلاده والبلاد المستضعفة.. وأنه حصل على موافقة "الأصدقاء" بأن يجروا العسل أنهاراً في بلادهم.."
وأعرف مواطنين لنا، جمعني وإياهما مؤتمر في بلجيكا، اتفقا مع مصور، التقط لهما صورة في وضع رصين في القاعة، ثم لم أرهما حتى الجلسة الختامية للمؤتمر.. فقد ذهبا يتسوقان، وعادا إلى الوطن ومعهما نسخة عن "القرارات"..
ولم يبق أحد إلا وحدثني عن قدرتهما الخطابية الاقناعية، وعن الدور الذي لعباه في توجيه سياسة المؤتمر!..
والثاني: وجود وفد يمثل دولة "نيبال" وهو جالس وراء لافتة تحمل اسم بلده، الذي لم أكن أعرف أنه دولة مستقلة.. وكانت الجمعية العامة قد رفضت منذ أيام عضوية الصين الشعبية في الأمم المتحدة.. وهي أعرق وأكبر من نيبال بمئتي مرة، مساحة وسكاناً!..
وهذا هو منطق القوة الأمريكي تؤتي الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء..
الثلاثاء 6
قمنا بجولات في "البارك" وفي حي الزنوج "هارلم" وقضينا أطول الوقت في متحف التاريخ الطبيعي..
إنه مدهش حقاً، ويثير في النفس الرهبة..
وفي أحد أجنحته، كانت تنتصب على أقدامها جماعات من الفيلة كباراً وصغاراً، في أحجامها الطبيعية وكأنها منتشرة في غابة افريقية حية..
وهذا الثعبان، الضخم، الهائل، أين وجدوه؟..
وهذا الهيكل العظمي المعلق، لديناصور، قيل إنه كان يعيش على الأرض قبل ملايين من السنين، كيف تمكنوا من حمل فقرات عموده الفقري، التي تماثل الواحدة منها، حجراً ضخماً من أحجار هرم خوفو؟ وأنا الذي كنت أحسب وجود الديناصورات على الأرض، وكأنه "حديث خرافة يا أم عمرو"..
الأربعاء 7
حضرت اليوم في قصر العدل، محاكمة "أنغلو سكسونية" تجري أمامي، لأول مرة.. فأنا أعرف "أصول المحاكمات الجزائية" على الأسلوب اللاتيني، (الفرنسي خاصة) وهو المطبق في بلادنا..
رئيس المحكمة عندنا، هو العنصر الفعال في سير المحاكمة...
هو الذي يستجوب الشهود، والمدعي الشخصي والمتهم..
وله أن يسمح لأحد الأطراف بتوجيه الأسئلة عن طريقه...
أما رئيس المحكمة "الأنغلوسكسوني" (في إنكلترا وأمريكا) فإنه يجلس صامتاً يراقب.. وأطراف الدعوى، هم الذين يتحركون..
فإذا حدث تجاوز على القانون، تدخل الرئيس ليفصل فيه..
وكانت الدعوى الجزائية التي شاهدناها دعوى طعن بسكين. فقد قامر شابان زنجيان وخسر أحدهما، فطلب من الرابح أن يعيد إليه الدولارات التي خسرها، فرفض، فطعنه بسكين حاد في بطنه..
واستجوب النائب العام المتهم كشاهد، وحلفه اليمين..
وتحليف اليمين للمتهم في تعاملنا القضائي سبب من أسباب البطلان..
وأخبرني قنصلنا العام بأن اليهود هددوا أحمد الشقيري، المندوب الفلسطيني الأصل في الأمم المتحدة والذي يمثل فيها دولة عربية، بالقتل، لأنه ألقى خطاباً عنيفاً ضد سلوكهم الإجرامي في فلسطين..
وقد خصصت له الحكومة الأمريكية شرطياً خاصاً لحراسته.. في بلد فيه قرابة أربعة ملايين يهودي!.. كلهم مواطنون أمريكيون "متكدسون" في مدينة نيويورك، ويدينون بالولاء "لإسرائيل"..
الخميس 8: مغادرة الولايات المتحدة
غادرنا الولايات المتحدة على متن الباخرة الأمريكية الضخمة "يونايتد ستيت" لتقطع بنا الأطلسي، بين نيويورك وساوث هامبتون، في جنوب إنكلترا.. هذه "المدينة" الطافية على مياه المحيط الأطلسي، تزن خمسة وخمسين ألف طون.. وهي مكيفة بأجهزة تكييف قوية القدرة..
صالوناتها واسعة جداً..
ودور السينما فيها ثلاث تعمل - تقريباً - باستمرار..
ويدخلها المرء متى يشاء "مجاناً..
ولغرفتنا نافذة على البحر.. وفيها حمام وسريران، كما في أحسن الفنادق على اليابسة..
ولم تنس الإدارة أن تزودنا بنسخة من التوراة، إلا أنها باللغة الإنكليزية!..
وللمسافر أن يطلب أي طعام يريد.. وفي أي وقت... دون أن يدفع أي مبلغ إضافي..
وحفلات الشاي التي تقام للمسافرين يومية..
والفرقة الموسيقية، المكونة من خمسة عازفين، تعمل ساعاتٍ طويلة، لتريح الركاب..
ولا أحلى ولا أبدع من مناظر الطيور البيض، تتبعنا عن قرب، هي ومجموعات متزاحمة من الدلافين، على أمل أن تحصل على ما تأكله من "فضلات" السفينة..
ولم تكن قيادة السفينة تبخل عليها مما يزيد من موائد الطعام..
وقد بقي في ذهني من مظاهر التبذير، أننا، زوجتي وأنا حين كنا نتناول طعام الإفطار في الفندق (الأمريكي) كانوا يملئون مائدتنا بأنواع من الخبز المحمص والصمون والبسكويت والزبدة والمربيات والبيض المقلي والمسلوق...
وكلها ملفوف بالسيلوفان... وننهض عن المائدة، وكل شيء - تقريباً - على وضعه، لم نمسسه.. عندها يأتي الجرسون ومعه سلة كبيرة، ويدفع إليها المكشوف والملفوف لتلقى في حاويات الزبالة.. وكان ذلك موضع استغرابنا واستهجاننا أيضاً!...
الثلاثاء 13
ألقت الباخرة مراسيها في المرفأ الإنكليزي (ساوث هامبتون) بعد أن هدأت أعصابها، حين دخلت "بحر المانش" كما يسميه الفرنسيون أو القناة الإنكليزية، كما يسميها الإنكليز..
وركبنا القطار المتجه إلى لندن، الساعة الخامسة مساء... وبلغناها في نحو ساعتين..
ومن المحطة اتصلنا بـ "أمبريال أوتيل" لحجز غرفتين لنا..
وأشد ما لفت انتباهنا هذا التهتك في الشوارع، بين الفتيات والفتيان.. فقد كن يتسكعن "بتنانيرهن" القصيرة الفاضحة، ويدخن السكاير على قارعة الطريق، ويتبادلن البذاءات دون أي تحرج..
وهي مناظر مؤذية، لم نشاهدها في الولايات المتحدة.
وقد أتيح لنا زيارة كاتدرائية وستمنستر آبي، وحديقة بكنغهام، القصر الملكي، وشاهدنا حرس الملكة في الملابس الحمراء، والقبعَّات السوداء الضخمة.. وانتصب أفراده وقوفاً كأنهم التماثيل.. ومن حولهم "السياح" يلتقطون لهم الصور التذكارية، بدون أن يرف لهم جفن!...
وتسلية الخطباء "هايد بارك" الذين يقولون ما يشاؤون دون أن يخشوا تقارير "المخابرات"، أو المساءلة الجزائية عن القذف والقدح...
السبت 17
وجهتنا هامبورغ.. وقد وصلناها مساء بالطائرة..
هذه المدينة ذاقت من القصف الجوي، ما لا يستطيع وصف أن يحيط به من الطائرات الأمريكية والإنكليزية، انتقاماً لما "أسلفته" القوات الجوية الألمانية للمدن الإنجليزية، أيام انتصارات النازية في بدايات الحرب العالمية الثانية.
وبعد هذه السنوات القليلة، توشك آثار الخراب على الاختفاء.. فقد قامت من بين الخرائب، بنايات شاهقة، وأسواق عامرة، وشوارع رائعة.. وأصبح الاقتصاد الألماني قوياً.. وسوف يستمر في انتعاشه حتى يصبح أقوى اقتصاد في العالم...
وقيل في تعليل هذه الظاهرة، أنها تحققت بفضل إيرهارد وزير الاقتصاد، الذي زارنا في دمشق في منتصف الخمسينات، والذي يطلقون عليه "أبو الاقتصاد المعجزة" ثم بفضل انحلال الجيش والاكتفاء بجهاز عادي للشرطة.. وتوجيه أموال التسلح إلى إقامة المعامل وإنشاء المساكن العصرية على الأنقاض..
وقد نصحنا عربي يقيم في المدينة، بأن نزور حي سان ﭙاولي.. وأسوأ ما رأيناه فيه، جلوس فتيات عاريات في فترينات محال الرذيلة، وكأنهن مجموعات من الأحذية، معروضة للشارين..
شيء تتقزز منه النفس حقاً!..
وتحت شعار تحرير المرأة تذل كرامات هؤلاء الصبايا، لكسب ثمن الطعام والمسكن.. بل تذل كرامة الجنس البشري كله..
ولقد أكد لنا خبير بهذه المدينة، أن عدد الكباريهات فيها في حدود الـ425 كباريه..
وقلنا لأنفسنا: ولماذا لا نشاهد واحدة منها "على الطبيعة"؟!..
وأمضينا سهرة كانت "عروضها" لطيفة ومسلية..
ولا أتحدث عن "التعري" على المسرح... فإنه معرة المرأة في هذا العالم الغربي.. ولكنهم لا يجدونه كذلك.. فقد ألفوا هذا النمط من الحياة، وانغمسوا في متعها المقيتة..
وهم يأخذون علينا "تخلفنا" الحضاري!..
وتعساً لهذا "التحضر"، الذي انتهى إلى ألاَّ يعرف الولد أباه.. وأخذ يمنح ابن الزنا، والمولود خارج الزواج، نفس الحقوق الإرثية التي خصها الشارع الأعظم بالأولاد الشرعيين.
الأحد 18
إلى روما و"كل الطرق تقود إلى روما،" كما يقول المثل اللاتيني.. ومنها إلى الوطن..
وقد أقلعت بنا الطائرة الأمريكية العملاقة "بان أمريكان".. ولكننا فوجئنا بها، تعود أدراجها إلى روما.. فقد تعطل أحد محركاتها وتوقف.. وهذا ما حدث لنا في بداية الرحلة..
ووصلنا الدار ليلاً، وأيقظنا البنت والولد، وأملأنا رئتينا من عبير البلد، وأنفاس الخريف تنعش الأكباد، وتريح الأنفس..
وشعرت، بأنني أصبحت قادراً على استئناف نشاطي، بعد أن كاد العمل ينهك قواي. وعدت إلى مباشرة أعمالي الوزارية، وأنا في أحسن حالاتي الصحية والنفسية.