السنة الثانية للوحدة - الجزء 13: تفويض صلاحيات المشير عامر وقانون الجامعات الذي أنهى مسيرة حومد الأكاديمية

اقرأ بالإنكليزية

الأربعاء 21 تشرين الأول

يبدو أن الرئيس عبد الناصر شعر بأن الإقليم الشمالي يحتاج إلى يد قوية وموضعية، تفصل في متطلبات أبنائه بسرعة، وتنسق أعمال الوزارات، فلا تكون كل وزارة إقليماً بذاته..

لذلك أصدر اليوم قراراً رقمه 1957 (تأخر نشره في الجريدة الرسمية إلى عددها رقم 242 تاريخ 7 تشرين الثاني 1959)، فوض بموجبه المشير عبد الحكيم عامر، القائد العام للقوات المسلحة ونائب رئيس الجمهورية جانباً واسعاً من اختصاصات الرئيس.

فقد نصت المادة 1 على ما يلي:

" يعهد إلى المشير محمد عبد الحكيم عامر نائب رئيس الجمهورية بالاختصاصات التالية:

(1)- رسم وتنسيق السياسة العامة في شئون الوحدة بين إقليمي الجمهورية العربية المتحدة، ومراقبة تنفيذها بعد اعتمادها.

(2)- الإشراف على تنفيذ السياسة العامة في الإقليم السوري، ويكون مسئولاً عنها أمام رئيس الجمهورية.

وله في ذلك:

إصدار القرارات والأوامر التي يدخل في اختصاص رئيس الجمهورية إصدارها، بموجب القوانين والقرارات النافذة في الإقليم السوري.

اعتماد برامج المشروعات اللازمة للإقليم السوري في حدود الاعتمادات المدرجة لها في الميزانية، ومتابعة تنفيذها.

النظر في توصيات المجلس التنفيذي بالإقليم الشمالي وفي مشروعات القوانين، وكذلك القرارات الخاصة بالميزانية المقترح تنفيذها قبل عرضها على رئيس الجمهورية.

الإشراف على كل ما يتعلق بتنظيم المصالح والإدارات والهيئات والمؤسسات العامة في الإقليم السوري.

وقضت المادة 2 بأن "يكون الوزراء التنفيذيون في الإقليم السوري مسئولين أمام نائب رئيس الجمهورية في كل ما يتعلق بتنفيذ أحكام هذا القرار"..

وقد ارتحت جداً لصدور هذا القرار، لأن وجود المشير عامر في دمشق، سوف يسهِّل سرعة إنجاز قضايا المواطنين..

ولكنه لم يظفر برضا بعض الوزراء الحزبيين وعبد الحميد السراج، الذي كان يتمتع بنفوذ كبير، كان يستمده من رضا الرئيس عنه، وظهوره بمظهر الرجل القوي، الذي يجتث جذور التآمر على النظام..

وفي هذا اليوم صدر قانون الجامعات في الجمهورية العربية المتحدة.

وقد نصت مادته الثامنة والستون على ما يلي:

"على أعضاء هيئة التدريس أن يتفرغوا للقيام بالدروس والمحاضرات"..

وقد فسر هذا النص بأنه يعني عدم جواز القيام بعملين معاً، لذلك كان عليَّ أن أختار بين البقاء في الوزارة أو التفرغ للتدريس في الجامعة والاستقالة من الوزارة... وكان مجموع الأساتذة في كلية الحقوق يومها 9 أساتذة بكرسي و3 بدون كرسي و5 أساتذة مساعدين و6 مدرسين فقط.. وفي أول تعديل لملاك الجامعة ألغيت تسمية أستاذ بلا كرسي..

وبكل الصدق، فإن مصلحتي الشخصية والمادية، تقتضيني أن أختار البقاء في كرسي في كلية الحقوق فأنا فيها أستاذ ذو كرسي، وفي أعلى درجة من الأستاذية، وكان مرتبي يبلغ 1050 ليرة شهرياً، ومرتب الوزير 1600 ليرة.. علاوة على إنني في وجودي في الجامعة، أستطيع أن أمارس المحاماة.. وأحصل على مردود مناسب من ثمن مؤلفاتي القانونية التي تنتشر في الجامعة وخارج الجامعة.

وأُبدْيتْ لي رغبة كريمة بأن "الواجب القومي" يتطلب مني البقاء في الوزارة، خاصة وأن بوادر استقالات منها قد بدأت تلوح على الأفق..

وأراد لي الله أن أستمر في الدوامة..

وخرجت من الجامعة ولم أعد إليها بعد ذلك!..

فقد وقع الانفصال وكرست نشاطي لمقاومته..

الخميس 22

تم اعتماد ميزانيتي دمشق وحلب بقرار من رئيس الجمهورية... وأسجلهما هنا للذكرى.

فقد بلغت ميزانية حلب العادية لعام 1959-1960، 19.164.700 ليرة.

وبلغت ميزانيتها الإنمائية 6.500.000 ليرة.

وبلغت ميزانية دمشق العادية للسنة ذاتها 21.674.575 ليرة

وبلغت ميزانيتها الانمائية 16.306.100.

وكنت أتساءل: كيف ستغطي هذه الأرقام "الضخمة" والناس عندنا لا يحبون أن يدفعوا ضرائب، ويتمنون لو أن الدولة أتت بالمال من أي جهة كانت لتأمين راحتهم ورفاهيتهم، شريطة ألا يساهموا في النفقات، إلا بأقل من القليل..

وفي هذا الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور (أوائل 1995)، أصبحت أرقام ميزانيتي دمشق أو حلب لا تكاد تكفي لشراء "فيللا" في كل منهما، من تلك "الفيلل" التي يتحدثون عنها في أيامنا هذه، ببهرجتها وسعتها وفرشها وديكوراتها، وأرقام أكلافها "الفلكية"..

فمن جهة فقدت الليرة السورية قدرتها على الشراء كما أن الأموال تتدفق بدون حساب إلى بعض الجيوب!..

وبمناسبة الحديث عن ميزانية المدينتين الكبيرتين، أنقل هنا بعض ما جاء في قرار وزير الصناعة المركزي، الدكتور محمد عزيز صدقي بتحديد أسعار المحروقات في الإقليم الشمالي، وهي كما يلي:

سعر البنزين الممتاز للوحدة 20 ليتر:

دمشق 865 قرش سوري

حلب 870 قرش سوري

سعر طون المازوت:

دمشق 59.25 ليرة

حلب 63 ليرة

كما حدد سعر البوتاغاز للمستهلك عبوة 12.50 ك غ بـ8 ليرات في جميع أنحاء الإقليم الشمالي:

ويبلغ ثمن هذه المواد اليوم:

ثمن 20 ليتر بنزين 406 ليرة سورية

ثمن طون المازوت 6400 ليرة

وهذه الأرقام تعني أن التضخم زاد عن 100 مثل...

الأحد 1 تشرين الثاني

في زيارتي الأخيرة منذ أيام إلى القاهرة، سألني الرئيس عبد الناصر عن الحالة التموينية في الإقليم الشمالي، فشرحت له ما يلحقه الجفاف وعدم هطول المطر من مآسي باقتصادنا.. وحين سمع أن كيلو السمن الحيواني وصل إلى 11 ليرة سورية، طلب إليَّ أن أفتح الحدود، لكل من يستطيع إدخال المواد الغذائية، من البلاد المجاورة.. ولو بدون رسوم جمركية..

وفعلاً استدعيت بعض التجار "المهربين" وعرضت عليهم الفكرة..

وكانوا على مستوى "المسئولية"، لأن كل الذي طلبوه هو أن أفتح لهم مركزين جمركيين على الحدود مع تركيا، وهم يتولون إنجاز ما يجب إنجازه..

وقد أخبروني إنهم يتفقون مع عسكريي الحدود وضباط الجمارك الأتراك ويشترون منهم "ليلة" واحدة، بعد أن يكونوا جهزوا سيارات النقل الكبرى وملؤوها بالبضائع.. فيأمر الضابط جنوده بالتواجد في أماكن غير التي تمر منها القوافل الحبالى بأثقال أحمالها لتصلنا سليمة معافاة!..

ومن حقهم عليَّ أن أشيد بذمتهم حيال "دولتهم"، لأنهم كانوا يؤدون الرسوم الجمركية، بكل "أمانة" إلى خزانتها..

ويقيناً فإن "شراء ليلة واحدة" يستطيع أن ينقل نصف المدن التركية عبر الحدود..

وتتمة لهذه السياسة المالية التي انتهجتها لإطعام الناس، دون إرهاق، استصدرت من نائب رئيس الجمهورية قرارات مهمة، بتخفيض الرسوم الجمركية عن جميع المواد الغذائية، أو إلغائها بالمرة..

وقد أصبحت الضريبة على أنواع الجبن والزبدة 20% من القيمة المصرح بها، كما أنزلت الضريبة إلى 10% على بعض أنواع اللحوم المستوردة والأسماك المحضرة أو المحفوظة... وأصبحت هذه المواد "النفيسة" تباع على عربات اليد، لوفرتها ورخص أسعارها..

حتى الحيوانات تضررت من القحط والجفاف. ومن أجل مساعدة أصحابها في تامين غذائها دون إرهاقهم، صدر قرار نائب الرئيس رقم 19 تاريخ 10-1-1960، بإعفاء المواد العلفية اليابسة كالنخالة، والعلف الأخضر، ودقيق الأسماك وسائر المحضرات التي تتغذى بها الحيوانات، من كل ضريبة أو رسم..

وأوقفنا قانوناً كان صدر برقم 25 لسنة 1958 يتضمن زيادة في ضريبة المواشي.. طيلة عام 1960، وأعدنا التعرفة القديمة التي كانت تتضمن الرسوم التالية:

165 قرشاً عن كل رأس من الضأن أو الماعز

245 قرشاً عن كل رأس من الإبل

575 قرشاً عن كل رأس من الجاموس

وخفضنا الضريبة عن الأفلام الشعاعية، المستعملة في التصوير العادي وفي المستشفيات إلى 15%، لكثرة تهريبها وحرمان الدولة من الرسوم، وحرمان التجار السوريين من الأرباح..

وقد أجرينا تفتيشاً في متجر أحد تجار الأفلام الشعاعية في حلب، فوجدنا أن ميزانية مبيعاته في هذا الفرع نقصت بنحو مليون ليرة، ولكن ثبت لنا بأن فرع متجره في بيروت ارتفع بما يزيد على المليون ليرة..

ووجدنا أن تخفيض الرسوم، وتقارب الأسعار بيننا وبين البلاد المجاورة، هما أفضل وسيلة لمكافحة التهريب..

وللسبب نفسه، خفضنا الضرائب عن كل الأشياء الصغيرة التي يسهل تهريبها كساعات اليد ومواد التجميل والعطور..

وفي هذه الأجواء الشاذة، كتب الأستاذ خالد بكداش، رئيس الحزب الشيوعي السوري، الذي غادر البلاد منذ ليلة التصويت على قيام الوحدة، في "المجلة الدولية الجديدة" يقول:

"إن الشيوعيين العرب ليسوا أبداً ضد القومية العربية والوحدة العربية.

.. ولكن ماذا كانت نتائج هذه الوحدة بعد انقضاء ما يقارب السنتين عليها؟

لقد كان الاقتصاد السوري، قبل الوحدة، بوجه عام في حالة تطور ونهوض.

أما الآن فإن سورية، التي كانت قبلاً بلداً مصدراً للقمح أصبحت تستورده من البلاد المجاورة والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا...

والتجارة تعاني الركود والكساد...

والانتاج الصناعي في تقلص وهبوط مستمر

وفي صناعة النسيج، توقف كثير من المعامل الصغيرة.. وهبط انتاج الجلود والسكاكر والموبيليا، وأفلس عدد من معامل الصابون.. وهبطت قيمة النقد السوري وتقلص التوظيف بشكل ملحوظ...

واتخذ تهريب الرساميل إلى الخارج نطاقاً واسعاً.. وتفاقم الغلاء بشكل فاحش.. وقد ارتفعت أسعار اللحم والسمن بصورة سريعة.. والسبب المباشر لتدهور الوضع الاقتصاد في سورية، هو السياسة التي تنتهجها حكومة القاهرة، تجاه الإقليم السوري، هذه السياسة التي تكمن وراءها المطامع الأنانية للأوساط الاحتكارية من البورجوازية المصرية..[1].

والذي أعرفه عن خالد بكداش، وقد زاملته سنين في مجلس النواب ورافقته في رحلة نيابية طويلة إلى الاتحاد السوفيتي (عاصمته الروحية والمذهبية) والدول الشرقية الشيوعية عام 1955، أنه لبق ومنصف في مفاهيمه السياسية.

ولكنه وقف ضد الوحدة السورية المصرية، منذ ساعات إعلانها وغادر البلاد.. لأن الاتحاد السوفيتي لم يكن يريدها أيضاً.. شأنه في ذلك شأن الدول الاستعمارية..

ومع ذلك فإني ما كنت أحب له أن يتخلى عن الإنصاف الذي عرف به، والتحليل السليم للظروف التي رافقت سنوات الوحدة.. ووقوعه في مثالب التجني والظلم.. ذلك أن تردي الاقتصاد السوري، إنما نشأ عن تعاقب عدة سنوات من جفاف لا يرحم، وقد هب الإقليم الجنوبي لنجدته، فقدم لنا ما استطاع من عون.. ولم يكن عندنا ما يغري البورجوازية المصرية!.

الثلاثاء 3: تسريح عبد الوهاب الأزرق

استدعاني صباح اليوم المشير نائب رئيس الجمهورية إلى مكتبه في قصر المهاجرين.. واستقبلني بابتسامته الطيبة البسيطة..

وجلست في مواجهته، في ركن من أركان الغرفة، لأنه لم يكن من عادته أن يستقبلني وهو جالس خلف الطاولة..

وفيما كان الساقي يصب لي القهوة، مَدَّ المشير يده إلى أوراق كانت إلى جانبه، وقلَّبها وأخرج منها واحدة، دفعها إليَّ لأقرأها..

وكانت تتضمن تسريح عبد الوهاب الأزرق، المدير العام للجمارك.. وكان القرار الذي تتضمنه، مستنداً إلى "اقتراح وزير الخزانة".. أي بناء على اقتراح مني..

وأدهشتني المفاجأة حقاً، لأني كنت اتفقت مع المشير إلى إعادة الأستاذ الأزرق إلى وظيفته السابقة في القضاء.. ولم نتحدث أبداً عن تسريحه..

والتسريح يعني في قوانينا صرف الموظف من الخدمة.. وفي القرآن الكريم ورد قوله تعالي "إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان". وهو تدبير قاس وعنيف، لأنه يضرب الموظف في كرامته وفي رزق عياله..

وأبديت للمشير اعتراضي على التسريح، الذي لا أحبه أصلاً، وخاصة إذا كان يضرب موظفاً كبيراً، ليس في يدنا أي دليل جدي يمس أمانته.. ولا يصح الاعتداد بالشائعات التي تحوم حول موظفي المالية..

واقتنع المشير بوجهة نظري، وهي أننا إذا مكَّنا التجار المتعاملين مع الجمارك من تسريحه، بإشاعاتهم، فإن الموظفين الآخرين سوف يضعفون أمامهم.. وكنت على ثقة بأن الموظف الذي يشعر بأنه محمي من وزيره ودولته، يتصرف بقوة وعزيمة في تحصيل حقوق الدولة.. ولكن إذا تخليا عنه ورمياه عظمة لأنياب الشائعات، فإنه سيضع لنفسه قاعدة تريحه، وهي "وأنا مالي أم علي تبكي على علي".. وتكون الدولة هي الخاسرة.

وشطب "ويسرح" وكتب بخط يده "يعاد إلى ملاك وزارة العدل".

وفوجئ وزير العدل، الأستاذ نهاد القاسم بالقرار... واستاء منه ولكنه كان صدر حين أخبرته به.. مع أن الموظف المذكور من أصدقائه الحميمين، ومن زملائه في القضاء!.. وقد عينه مستشاراً في إدارة "قضايا الحكومة"، وهي إدارة حديثة عندنا، وكان يرأسها الأستاذ رشاد برمدا..

ولم أكن مرتاحاً لهذه الإدارة، لأنها أثبتت أنها دون مستوى الآمال التي عقدت عليها يوم إحداثها.. ولي - كوزير للمالية - تجربة مريرة معها..

وقد سمعت أن أحد "مستشاريها" طعن بطريق النقض في ثلاثين حكماً صادراً عن القضاء، فردت النقض خمسة وعشرين منها شكلاً، وخسر الخمسة الأخرى موضوعاً.. وكانت الخسائر جسيمة، دفعتها الدولة صاغرة إلى "أصحاب الحقوق".

وعينَّ المشير عامر مديراً عاماً للجمارك اللواء علاء الدين ستاسيس، وهو من ضباط القوات المسلحة دون أن يأخذ رأيي في التعيين..

ولم أكن أعرف اللواء المذكور، ولكني أسفت لهذا التعيين، لأن هذا المنصب في حاجة إلى موظف مدني وقانوني متمكن من خبرته في إدارة المصالح العامة ولا سيما الحساسة منها التي لا يستطيع أن يقوم بأعبائها، إلا القوي الأمين..

وكان هذا بداية الغيث.. الذي انهمر فيما بعد على وزارة الخارجية، فامتلأت بالضباط، الذين دخلوا الكليات العسكرية ليتخصصوا في مهمات الجيش، خاصة وأنهم درسوا، أيضاً، في كليات أجنبية وأنفقت عليهم الدولة الملايين من دم قلوب بنيها، ليقفوا في وجه العدو.. لا ليجلسوا في دوواين الوزارات يعدون الأيام ويقبضون الرواتب.

ولكن بعضهم "احترف السياسة"، وراح يهدد السلطة المدنية بالسلاح الذي أوكل إليه، للدفاع عن الوطن..

ولم يعد من سبيل أمام الدولة إلا إبعاد خطره عن السلطة العسكرية..

وأكبر من يؤاخذ على هذه الخطيئة القاتلة، أكرم الحوراني وإخوانه لأنهم أخذوا يصطادون تلامذة المدارس الثانوية، ويؤطرونهم في حزبهم، ثم يوجهونهم إلى الكلية العسكرية، أعضاء سريين منظمين..

وقد حاولت الوقوف في وجه هذه السياسة الخطرة عام 1956 عندما كنت وزيراً للمعارف.. ولكن حالة البلاد ما كانت في وضع يسمح لي بتمرير قانون قدمته إلى مجلس النواب، يحرم على تلامذة الثانوي ومدرسيهم القيام بأي نشاط سياسي.

لذلك سحبت المشروع، على كره مني، وأنا ألعق جراح الهزيمة، لكي أتمكن من المحافظة على "التوازن" البرلماني.. في صالح الحكومة..

الأربعاء 4: إعفاء العقارات "الفقيرة" من الضريبة

كانت وزارة الخزانة تعاني من مئات الألوف من "الذمم" التي لا مردود لها، محفوظة في أكداس من الملفات، المرصوصة على رفوف عدة غرف..

وقد تصفحت بعضها، فوجدت فيها ذمماً تعود إلى العهد العثماني..

وإذا كانت لم تسقط بالتقادم، فلأن الوزارة تستخدم في نهاية كل عام عدداً من الأفراد، ليعيدوا تسجيلها وتوجيه إنذارات ينص القانون على أنها قاطعة للتقادم..

وأكثر هذه الذمم، ليرة، وليرتان.. وخمس ليرات..

ويذهب الجباة وراء هؤلاء "المكلفين" فلا يجدونهم.. وينظمون المحاضر ويعيدون التسجيل، وتوجيه الإنذارات. الأمر الذي يرهق الوزارة بلا جدوى، بل إنه يكلفها مبالغ إضافية في نهاية كل عام لا يقل عن الذمم الوهمية..

لذلك استصدرت قانوناً من رئيس الجمهورية رقمه 254 وتاريخه 29 تشرين الأول يتضمن "إعفاء كل عقار معد للسكن لا يتجاوز ريعه السنوي 150 ليرة.. وما هي إلا أيام حتى أتلفت كميات هائلة من هذه "الذمم" البالية واستراحت الوزارة من متاعبها.. التي دامت قرابة أربعين سنة!..

---

الحواشي:

[1] عدد 11، في شهر تشرين الثاني 1959.