السنة الثانية للوحدة - الجزء 14: تحذير أحمد عبد الكريم من تحويل نهر الأردن واستقالة الوزراء البعثيين الجماعية
الاثنين 9 تشرين الثاني
نشر القرار الجمهوري رقم 884 تاريخ 11 مايو 1959 بالموافقة على انضمام الجمهورية العربية المتحدة إلى الاتفاقية الدولية لمكافحة الاتجار في الأشخاص واستغلال دعارة الغير، الموقعة في ليك سكسس (أمريكا) بتاريخ 21 آذار 1950، في الجريدة الرسمية بتاريخ 9 تشرين الثاني 1959.
وكانت هذه الجريمة تسمى في القرن التاسع عشر بالمتاجرة بالنساء البيض، لأن عدداً من النساء الأوربيات كنَّ ينقلن إلى أوربا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية للمتاجرة بأعراضهن. وكان الذين يمارسون هذه التجارة الشائنة عصاباتٍ دولية، ثم عُدِّلت التسمية، فأصبحت المتاجرة بالنساء، بإسقاط صفة "البيض" لأن التجارة المذكورة امتدت إلى النساء الملوَّنات، من سود ومن صفر!.. وتوسعت أكثر مع الزمن، فراحت تشمل "الرجال الشاذين" أيضاً، لذلك، كان من الطبيعي أن تصبح "المتاجرة بالبشر".. La traite des etres Humains...
وكانت أول اتفاقية تعقد في هذا الموضوع، اتفاقية 18 آذار 1904 الدولية، التي عدلت ببروتوكول 1948.
وقد جاء في مقدمة اتفاقية 1950 الجديدة ما يلي:
"إن البغاء والأذى الذي ينشأ عنه، يتنافيان مع كرامة الإنسان وقيمته، ويعرضان للخطر سعادة الفرد والأسرة والمجتمع"..
ومن أسف أن الواقع يقول غير ذلك!..
وأخشى أن يصدق على موقعي هذه الاتفاقية المثل: "اقرأ تفرح، وجرب تحزن"! وأعظم الحزن أن يساعد انتشار الفحش على زيادة مرض الإيدز، الذي لا يرجى منه برء، حتى الآن..
وهو في استفحال مخيف!..
الخميس 15: الاتحاد العام لطلاب الجمهورية
وصل عدد الجريدة الرسمية، رقم 233 تاريخ 27 من الشهر الجاري، وفيه قرار رئيس الجمهورية رقم 1910 تاريخ 15-10-1959، المتضمن تنظيم "الاتحاد العام لطلاب الجمهورية العربية المتحدة".
وهذا قرار ينسجم مع منطق الحكم.. ففي غياب الأحزاب السياسية، لا بد من إقامة منظمات لاستقطاب الشباب، بصورة عامة.. وتنظيمهم سنداً للدولة، وتلقينهم مبادئ فلسفة النظام..
ومن المؤكد أن نظامنا متأثر بالاتجاهات "الجماعية"، التي تعمل على إذابة الفرد في بوتقة الجمهور.. وهو متأثر، في ذلك، بالأنظمة الأوربية الشرقية، وبخاصة "اتحاد الجمهورية اليوغسلافية".. ولكنه تأثر يتعلق بالشكليات.
غير أنه بالقطع وبالتأكيد، بعيد عن فلسفة الاتحاد السوفيتي، الذي يلغي مفاهيم القوميات، سعياً وراء إذابتها في مؤسسة "السوفييت" العمالية.. ومن أجل ذلك، أسقط من قاموسه "الجنسية الروسية"..
ومن هذا المنطلق، نصت المادة 1 من قرار الرئيس عبد الناصر على ما يلي:
"يضم الاتحاد العام لطلاب الجمهورية العربية المتحدة، اتحاد طلاب المدارس الثانوية وما في مستواها واتحاد طلاب المعاهد العليا واتحاد طلاب الأزهر واتحاد طلاب الجامعات.
ويكون مقره القاهرة.
وأكدت المادة 2 فلسفة هذا الاتحاد بأن واجبه العمل على
"تنمية الوعي القومي العربي في نفوس الطلاب وتعريفهم بشتى معالم الوطن العربي وتاريخ كفاحه في سبيل الحرية والاستقلال والوحدة".
السبت 28: رسم الخروج من البلاد
صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 165 تاريخ 28 تشرين الثاني 1959، يتضمن فرض رسم على كل شخص أو سيارة يخرج من الإقليم إلى خارج البلاد، كما يلي:
5 ليرات عن كل شخص وعن كل مرة
25 ليرة عن كل سيارة وعن كل مرة
وأصبح القرار يشمل الوزراء أيضاً، وكانوا لا يخضعون لمثل هذه الرسوم. وهذا حق.. لأن الوزراء من هؤلاء المواطنين، ولا مبرر لمنحهم هذه الميزة "الصغيرة"..
غير أن كل من كان خروجه في مهمة رسمية، لا يخضع لهذه الرسم..
ولولا أن الدولة في حاجة إلى فتح جيوب مواطنيها لخزينتها، لقلت إنها ضريبة جائرة، لأنها تشمل العمال الذين يخرجون إلى لبنان بحثاً عن عمل يعتاشون منه، وقد يوفقون وقد لا يوفقون..
الأحد 29: اجتماع وزاري في القاهرة
دعي الوزراء التنفيذيون إلى القاهرة، لحضور مجلس موسع للحكومة، الوزارة المركزية ووزراء الإقليم الشمالي ووزراء الإقليم الجنوبي..
وعقد الاجتماع في قصر القبة، وحضره خمسة وخمسون وزيراً ونائب وزير..
وقد تكلم الرئيس جمال عبد الناصر مطولاً في السياسة الخارجية، بشكل خاص.
وفوجئنا بأحمد عبد الكريم يطلب الكلام ويثير مسألة تحويل نهر الأردن إلى إسرائيل انطلاقاً من المنطقة المجردة من السلاح، من نقطة تبعد ستة كيلومترات عن الحدود السورية.
وكانت إسرائيل حاولت هذه المحاولة عام 1953، أيام حكم الشيشكلي، غير أنها توقفت عن التنفيذ أنذاك، بسبب تهديد المرحوم بمنعها بالقوة.
وعادت هذه الأيام إلى إظهار نيتها بالعودة إلى تنفيذ هذا التحويل.
وكان يتكلم في اندفاع عصبي واضح، وهذا أمر لم يكن مألوفاً في المجالس الوزارية..
وآزره أمين النفوري وإلى حد ما، أكرم الحوراني فذكَّرا المجلس بالموقف السوري عام 1953 في وقت كانت سورية تقف وحدها، في هذا الموضوع.
وردَّ عبد الناصر، بأن أي تحريك للقوات العسكرية العربية، سيدفع بإنكلترا وفرنسا، اللتين تلعقان جراحهما من معركة السويس، القريبة العهد، إلى الوقوف مع إسرائيل بكل صراحة بحجة أن الجمهورية هي المعتدية..
وقد اعترف بكل صراحة بأن الجمهورية غير جاهزة للدخول في حرب مع إسرائيل، في الظروف الراهنة، لذلك فإنه يفضل أن يحوِّل العرب نهري بانياس والحاصباني، إلى أراضيهما لحرمان إسرائيل من أهم روافد الأردن إلى أن تكمل الجمهورية استعدادها لحرب ظافرة..
وحسماً للجدل الذي طال في جو من الحدة والتأزم، اقترح عبد الناصر تشكيل لجنة لدراسة الموضوع، والرجوع باقتراحها إلى المجلس الوزاري، لمناقشته..
وكانت اللجنة مشكلة من:
نائب رئيس الجمهورية عبد اللطيف بغدادي رئيساً
وصلاح البيطار
وعلي صبري
وأحمد عبد الكريم
وأحمد عبده الشرباتي
وفريد زين الدين (نائب وزير الخارجية)[1].
أي أن اللجنة مشكلة من ثلاثة من الإقليم الجنوبي وثلاثة من الإقليم الشمالي.
وبعد أن درست الموضوع من كل جانبه، عادت بقرارها بأن منع تحويل الأردن بالقوة هو فوق إمكانيات الجمهورية العربية، وهو غير مناسب الآن.. والأفضل إثارة الموضوع على المستوى الدولي[2]..
وقد أحسسنا بأن هؤلاء الوزراء يبيتون أمراً في نفوسهم، سوف تكشف عنه الأيام القادمة.. ومن المؤكد أنهم يريدون أن يذيعوا ويشيعوا - في الوقت المناسب - أن عبد الناصر رفض خوض حرب ضد إسرائيل.. حتى ولو لم يكن مستعداً لها!..
وقد عمدت إسرائيل إلى ضخ مياه الأردن من بحيرة طبرية التي تقع داخل حدودها في آذار 1961، وأثبتنا مرة أخرى أننا أمة كلام.
وفي خلال وجودي في القاهرة، زرت الوزراء المركزيين في مكاتبهم في هيليوبوليس ونقلت لهم، ما يشاع عن اختلافاتهم، وخوضهم بعضهم في بعض..
وقد شكا بعضهم من أنهم لا يجدون ما يعملونه، وأنهم "محبوسون" في مكاتبهم..
ولاحظت أنه لا يوجد على مكاتبهم ورقة.. يقرؤونها..
وزرت أكرم الحوراني أيضاً.. وكان أكثر الناس كتماناً لما كان يخفيه في نفسه..
وقد كتب الدكتور بشير العظمة، وزير الصحة المركزي في مذكراته عن "جيل الهزيمة" [3]:
"الخلاصة، قضينا سنتين تقريباً بلا عمل ولا مسئولية محددة، كنا نتبادل الزيارات بين المكاتب ونستقبل كل طارق.
إذا اشتد بي الضيق والضجر، بعد قراءة الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية، وبعد إيجاد الحلول للكلمات المتقاطعة، أدفع الباب هائماً..
نقضي فترة بعد الظهر في نادي الجزيرة (البريطاني سابقاً) ونهرب من الحديث الجاد لممارسة ألعاب جديدة قديمة (التنس، السكواش، البولينغ وأنواع أخرى لا أتذكر أسماءها)..
ومع ذلك وجد سيادته الوقت للتجوال الطويل في الولايات المتحدة والمكسيك وغيرها من أرض الله الواسعة[4].
السبت 26 كانون الأول
شكل نائب رئيس الجمهورية عبد الحكيم عامر لجنة من خمسة أعضاء للنظر في الشكاوى التي قدمت إليه ضد تصرفات وزير الإصلاح الزراعي (البعثي) مصطفى حمدون.
وشعر حمدون بالغضاضة، فقدم استقالته، واستقال معه عبد الغني قنوت، وهما الركنان البعثيان في الوزارة..
وسرت شائعة بأن جميع الوزراء البعثيين قدموا استقالاتهم أيضاً. وكنا أحسسنا بأن أموراً تدبر في الخفاء منذ جلسة نهر الأردن..
يوم 27
استدعاني المشير عبد الحكيم عامر إلى مكتبه..
وسألني عن "أخبار" البلد..
قلت له: شائعات وأنباء استقالات..
وسأل: والرأي؟
وأحسست أنه يريد أن يعرف موقفي، وهل سأتضامن مع المستقيلين أم لا؟ فقلت له: يا سيادة المشير، أنا غير حزبي، ولن أتضامن مع أحد.. وقد دخلت في حكومة الوحدة، قانعاً بها راضياً بمتاعبها، وليس في نيتي أن أتنكر لها.
والحقيقة، أنني لم أعرف من المستقيلين أسباب استقالتهم..
كل الذي عرفته من الوزير وجيه السمان العائد البارحة من القاهرة، أنهم طالبوا بتشكيل لجنة ثلاثية تدير الإقليم السوري، مؤلفة من السادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني وتشكيل لجنة مماثلة في الإقليم الجنوبي...
وعلمت أن عبد الناصر قال لهم:
إذا أدارت لجنة ثلاثية شئون الإقليم الشمالي، وأخرى شئون الإقليم الجنوبي، فماذا سأفعل أنا، رئيس الجمهورية، الذي انتخبني الشعب لهذا المنصب، وحملني المسئولية؟..
والحقيقة أن عبد الناصر كان شرح لنا سياسته في أول مجلس للوزراء انعقد فور تشكيل حكومة 8 آذار 1958، بأنه سيتسلم السياسة الخارجية، ويبقى كل وزير يدير شئون وزارته..
ولم يعترض أحد على هذا القول، لا من البعثيين ولا من غيرهم.
وسألني المشير: بكل ما تحمله من ثقل المسئولية، ماذا ترى في الوضع؟..
وأجبته بصراحة على سؤاله:
قلت له:
إن رجال الحزب الاشتراكي المنحل، هم الذين تصدروا موكب الوحدة، وقادوها في سورية إلى شاطئ السلامة.. فيكون من الوفاء أن تداروهم وتسألوهم مم يشكون في حوار ايجابي.
إبعاد العسكريين من المناصب الوزارية، لأن الضابط صاحب مزاج خاص، يقدم على أساس ثقافة عسكرية، لا تستطيع أن تتفهم جيداً حاجات الناس المدنية.. إنهم رجال حرب!..
دراسة وضع المخابرات وتسلطها على الناس، وزج من يكرهون في السجون على الشبهة. بل صارحته بأن عناصر مخابرات حمص، راحوا يلفقون تهماً للأبرياء ويزجون بهم في السجون ثم يراودون نساءهم عن أنفسهن.
وقلت له لقد حدثني محافظ حمص وهو موثوق بأمانته فيما يقول أن رئيس المخابرات في حمص اعتقل شخصاً بتهمة الشيوعية، ثم راح يساوم أخته على شرفها مقابل الإفراج عنه.
وقد طلب إليَّ هذا المحافظ نقلها إلى وزارة المالية ووضعها في دمشق لإنقاذها من ضابط المخابرات المذكور.
وبعد فترة من الزمن جاء هذا المحافظ إلى مكتبي يطلب مني أن أمكّنه من استجواب الفتاة المذكورة، فأذنت له واستجوبها في قاعة اجتماعات الوزارة.
وفي نهاية الجلسة، سألني، عما إذا أخبرت رشدي الكيخيا وصحبه، بعدم التعرض للاتحاد القومي.. فأكدت له، إن رشدي مؤمن بالوحدة، وأنه اعتزل كل عمل سياسي.. وما يقال خلاف ذلك، فشائعات تروجها أوساط معروفة.. ولكن، لا بد من القول، إن حزب الشعب (السابق) لا يرضى عن أكرم الحوراني، لتطرفه السياسي، وانغماسه في الانقلابات.. وهذه قناعة قديمة، ومعروفة من جميع الأوساط..
وفي مساء هذا اليوم، زارني في بيتي الدكتور حافظ الجمالي، وهو نصف بعثي ونصف شيوعي، وفاتحني في موضوع استقالات الوزراء، وطلب مني أن أتضامن معهم وأقدم استقالتي..
وسألته مستغرباً: ولكن لماذا استقال هؤلاء الوزراء؟ أنا زميلهم في الحكم، ولم يخبروني عن الدافع إلى تنكرهم لنظام، كانوا هم السباقين إليه؟
وقال: أسباب الاستقالة تعود إلى أن الرئيس نقلهم إلى القاهرة وأبقاهم هناك بدون عمل يمارسونه وأنه يعرقل أعمال الوزراء التنفيذيين..
ومن المؤكد أنه يشير بهذه اللفتة الأخيرة إلى مصطفى حمدون وزير الإصلاح الزراعي، وإلى لجنة التحقيق التي شكلها عبد الناصر للنظر في التصرفات غير القانونية التي نسبت إليه. وكان على رأسها السيد مرعي، وكنت أنا أحد أعضائها.
وقد قامت اللجنة بجولة في بعض المحافظات واجتمعت إلى بعض المتضررين، وخاصة في حماة، وتأكد لها أن الوزير فصل في عدة قضايا بصورة مخالفة للقانون..
وإحدى هذه القضايا، قضية السيدة الجابري، التي اختارت "قطعة الأرض التي يقع فيها قبر والدها، فرفض الوزير لها هذا الاختيار الذي يعطيها إياه القانون..
وكانت تتحدث عن ظلاماتها أمامي ذات يوم، والأسى يعتصر قلبها.. ومن عجب أنها اختارت القطعة السيئة، "إكراماً لقبر والدها"..
وقد أوصل ذووها شكواها إلى الرئاسة من هذه المعاملة غير القانونية وغير الإنسانية.
وأجبت الجمالي، بأنه إذا وقعت أخطاء في الوحدة، فيجب أن يتم إصلاحها من داخلها، ولا يجوز، لا أمام الله، ولا أمام الناس، أن يتآمر عليها الذين كانوا من أكبر دعاتها..
ومنذ 23 كانون الأول الجاري، قدَّم الوزراء البعثيون استقالاتهم رسمياً..
وتحسباً من تحركات عسكرية انشقاقية، أجرت قيادة الجيش التي كان الفريق جمال الفيصل (السوري) على رأسها سلسلة مناقلات بين الضباط البعثيين "فقبر بذلك محاولات الحوراني الذي أخذ يتصل بالقوات العسكرية التي كانت تدين له بالولاء[5]"..
---
الحواشي:
[1] يضيف أحمد حمروش (ص64) اسمي أكرم الحوراني ومحمود رياض، غير أني لا أتذكر ذلك.
[2] من المفيد قراءة ما كتبه السيد أحمد عبد الكريم عن هذا الموضوع، في كتابه المشار إليه ص242 وما يليها.. ومذكرات عبد اللطيف البغدادي ، نائب رئيس الجمهورية، الذي تحدث عن هذه الجلسة بصورة غير دقيقة..
[3] ص195 (عام 1991).
[4] ص215 وما يليها..
[5] نجاح محمد، المرجع نفسه ص377.