عام 1960 - الجزء 1: الوزراء البعثيون المستقيلون وأول محاكمة فساد في سورية

اقرأ بالإنكليزية

الجمعة 1 كانون الثاني

تعشينا ليلة رأس السنة في مطعم المطار (في المزة).. وكان في دعوتنا بعض الأصدقاء.. وامتدت السهرة إلى ساعة متأخرة من الليل..

الذي لفت نظرنا، قلة الزبائن غير المسلمين، وازدحام الصالة إلى درجة التخمة بأمثالنا من المسلمين..

وكانت الموائد غاصة بألوان الطعام.. والمشروبات أيضاً.. وبعض النساء ما كنَّ يحرمن أنفسهن من المادة السحرية التي تحل عقدة اللسان، وتضعف القدرة على التحكم في الإرادة..

وراحت الأجساد تتمايل على أنغام الموسيقى الصاخبة.

وكان هذا "الشاعر" المعروف، في حالة نصف وعي، وهو يرقص مع نساء أصحابه، وكأس الخمرة في يده..

ومازحته عن حاله، فقال: "اليوم خمر وغداً أمر"..

ومن يرتد هذه "الأجواء" عليه أن يكون معتاداً عليها.. وطالما نحن هنا، فليس من حقنا أن ننتقد أحداً..

حتى لا يصدق فينا قول الله: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم"؟

ولكن الذي آذاني، حقاً وصدقاً، هذا التعري في صدور النساء وأذرعتهن وسيقانهن، لماذا كل هذا؟.

ألا يمكن أن نكون "متحضرين" بدون هذه "المباذل"؟..

أما أنا فأحب أن أكون "متطوراً"، حتى أكون وفياً لثقافتي "الغربية".. ومتديناً، كما كنت دائماً "مع التراث".. أي إنني أحب أن أكون في النار دون أن أحترق!..

السبت يوم 2

بعد أن قبل الرئيس رسمياً استقالة أكرم الحوراني، نائب رئيس الجمهورية والوزراء البعثيين صلاح البيطار ومصطفى حمدون وعبد الغني قنوت، ولم يبق منهم في الحكم إلا الدكتور أمجد الطرابلسي.. رأيت أن أزور الأستاذ الحوراني في بيته، وتوجهت إليه بصحبة نور الدين كحالة، رئيس المجلس التنفيذي ووزير الأشغال العامة وأبدينا أسفنا لاستقالتهم الجماعية.. وتحدث الحوراني عن أسباب الاستقالات، فقال، إنه لا توجد مشاركة حقيقية للسوريين في الحكم، بل توجد هيمنة إقليم على إقليم.. وانتهى إلى أنه لا بد من إعادة النظر في موضوع العلاقة بين الإقليمين على أساس وحدة الرئيس ووحدة الجيش ووحدة التمثيل الخارجي.. وهذه المرافق الثلاثة يجب أن تكون من المسلمات التي لا يمكن أن تكون موضع بحث!.

ولاحظت له، أليس هذا ما كنا قررناه في مجلس النواب، ولكنكم رفضتموه من جانبكم، واندفعتم مع الوحدة الاندماجية؟..

ومن أسف فإن هذا هو الذي حدث عملياً.. والآن راحوا ينوحون عليه!..

وزرت مصطفى حمدون في بيته أيضاً.. وللأمانة فقد أصبح هذا الوزير أشهر مكروه في البلد، وهذا واقع يدخل في إيجابياته، فقد استولى على زيادات الأراضي بموجب قانون الإصلاح الزراعي، من ملكيات أربعة آلاف مالك وخاصة في منطقة حماة،

وكان على حق حين قال: نحن لم نذق يوماً أبيض حتى اليوم.. وأبدى شفقته على أبيه، الذي أخذ يتعرض في حماة، بلده إلى مضايقات مؤذية عن طريق الهاتف..

وأذكر لمصطفى حمدون، أنه استقبل رشدي الكيخيا بناء على وساطتي استقبالاً لائقاً.. ونظر في شكواه، وخرج من عنده مرتاحاً..

وزرت خليل الكلاس، وزير الاقتصاد المستقيل.. وسألته: هل عبد الحميد السراج معكم أو عليكم؟.. فقال: إنه معنا بلسانه، وهو علينا بأفعاله.. إنه رجل يريد السلطة ويريد أن يتفرد بها.. وهو منزعج جداً من وجود المشير في دمشق.. كما كان يزعجه من قبل وجود السفير السابق محمود رياض فيها قبل أن ينقل إلى القاهرة، بضغط من السراج!..

واتهم الكلاس، السراج، بأنه هو الذي غرَّر بحزبهم في العراق، ودفع الشواف إلى العصيان على عبد الكريم قاسم.. فنكل به النظام العراقي وقتل عدداً من رجاله، وسجن عدداً آخر.. وبذلك أفقده كل مبادرة للعمل ضد النظام العراقي..

وقد اعترف لي الكلاس بأنه توجد لجنة سياسية سرية في مجلس الوزراء مشكلة من السراج وحمدون وقنوت وطعمة العودة الله، مهمتها النظر في المقترحات السياسية التي يرغبون في عرضها على الرئيس، وقد اقسموا الأيمان فيما بينهم على كتمان أمر هذه اللجنة.

الخميس 7

تلقيت دعوة من موسى عرفة، وزير السد العالي، لأحضر حفل تفجير عشرة أطنان من الديناميت، لبدء تنفيذ مشروع السد العالي في جنوب مصر.. وسيرأس الحفل التاريخي الرئيس عبد الناصر وملك المغرب محمد الخامس، الذي عاد إلى عرش آبائه، بعد أن أفرجت السلطات الفرنسة عنه، وكانت حددت إقامته في جزيرة مدغشقر..

ولم أكن في حالة صحية تسمح لي بتلبية هذه الدعوة، فاعتذرت للوزير الزميل، شاكراً له هذه الدعوة الكريمة.. ولزمت فراشي ثلاثة أيام بسبب ضغط العمل..

الثلاثاء 12

وصلت شكوى من رجل حموي اسمه "الهبيان"، وقعها باسمه وادعى فيها أن "زعماء البعث" أخذوا منه 18 ألف ليرة سورية، لتمكينه من الحصول على التزام صيدية المضيق..

وقد وجهت إلى المشير عبد الحكيم عامر.. ووصلتني أنا شكوى مماثلة..

وقد تضمنت أسماء الحوراني وبعض "وزرائه".. ولكني أبرئ هؤلاء جميعاً من هذه التهم الملفقة.. ولكني لا أبرئ بعض جماعاتهم في المنطقة..

ومن التهم التي سيقت ضدهم، أنهم استأجروا مساحات كبيرة من أراضي الإصلاح الزراعي في الغاب، ثم أجروها إلى فلاحين يعملون في الأرض.. وكانوا يجلسون في مقاهي حماة، وينفقون من "أجور" أراضيهم بسخاء. والأيام القادمة سوف تكشف خفايا الأمور![1]..

كل الذي أتمناه ألا يندفع البعثيون في عدائهم للوحدة، فيعملوا على فصم عراها.. فإن فعلوا، فسوف نعود إلى الدوامة السابقة والصراع الذي لا يهدأ، والتطاحن بين مدني وعسكري، ورجعي وتقدمي.. أي إلى الوضع الذي هرب الناس من جحيمه إلى الوحدة!..

ولست أدري ماذا يأخذون على عبد الناصر!..

دكتاتورية؟ إنهم يعرفونها، حين اشترط أن يكون الحكم رئاسياً وبدون أحزاب..

عدم ضرب الإقطاعيين؟ ولماذا يضربهم هم؟ لقد فرض عليهم الإصلاح الزراعي، وأخذ الفائض من أراضيهم، لإعطائها للفلاحين العاملين بها! وفي هذا كفاية! طالما أنه يقود إلى بناء وطن على أساس من تلاحم المواطنين، دون تطاحن طبقي..

وهذا ما كان عبد الناصر مقتنعاً بأن الاتحاد القومي سيحققه!..

الخميس 14

اليوم أحلت رئيس الهيئة التفتيشية في وزارة المالية، بعد أن حصلت على موافقة رئيس هيئة تفتيش الدولة، (كما يصرح به قانون هذه الهيئة)، وهي خطية، برفع الحصانة عنه إلى محكمة الكسب غير المشروع..

وبذلك يكون هذا "الرأس الكبير" أول متهم بالاختلاس يساق إلى القضاء..

واعتقد أنه سيكون عبرة لغيره.. وقديماً قيل:

وأحزم الناس من لومات من ظمأ

لا يقرب الورد حتى يعرف الصدرا

وأكثر الناس عقلاً من إذا نظرت

عيناه أمـراً غـدا بالغير معتبرا

وأود - بكل إخلاص - أن أذكر بالخير أكثر رجال المالية.. وأعرف أن في جهاز الوزارة، اثنين أو ثلاثة، سوف يأتي أوان محاسبتهم حساباً أرجو أن يكون عادلاً وصارماً.. وإلا فما معنى أن "يتصدر" مدير مالية مائدة بعض كبار التجار في أرقى مطاعم العاصمة، وإلى يمينه زوجته الشرهة، في الوقت الذي ينظر في اعتراضهم على ما قررته اللجان الابتدائية عن فرض ضريبة الدخل على أرباحهم الكبيرة؟..

الأحد 17

استقبلت الحكومة ملك المغرب القادم من الإقليم الجنوبي.. وخرج نائب رئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة إلى المطار لاستقباله.

ومن أجل هذه "البروتوكولات" يجب أن تتعطل مصالح الناس ومنهم من يقدم من المحافظات النائية.. ومنهم من يضطر إلى البقاء في العاصمة، والنزول في أحد الفنادق والأكل في المطعم، وقد لا يكون في حالة يسر مادي..

وأقام له المشير حفل عشاء في نادي الشرق، كان في مقدمة ضيوفه الرئيس السيد شكري القوتلي.

وأقام له الرئيس القوتلي ظهر اليوم التالي حفل غذاء في داره.. وفي المساء أقيمت له حفلة سمر وطرب في سينما الزهراء..

وكان بين الوزراء الذين يرافقون الملك، السيد أحمد العلوي، وهو من العائلة المالكة، ورفيق دراستي في السوربون.. وكان عاش حياته في باريس "بالطول والعرض" هذا "المولاي السي أحمد"..

وإني مبتهج لهذا التكريم الذي يحاط به الرئيس القوتلي، "المواطن العربي الأول" والذي أصبح بيته معلماً من المعالم التي "يحج" إليها كبار الزوار للقطر.

وقد قدمني العلوي إلى الملك محمد الخامس، وكأنه يقدم أخاً له فارقه، ذات يوم، على شبه قناعة بعدم اللقاء مرة أخرى.. ذلك أن الدولة المستعمرة (فرنسا) كانت تضرب طوقاً حديدياً على بلاد المغرب العربي بحيث لم يكن أحد منا يحلم بأن يخترق حدودها..

الاثنين 18

كنا نقرأ عن أحد الوزراء القدامى، بأنه كان "صاحب الوزارتين"..

وفي هذه الأيام أضيفت إلى عبد الحميد السراج وزارة جديدة، فأصبح وزيراً للداخلية ووزيراً للأوقاف ووزيراً للعمل والشئون الاجتماعية، وأميناً للاتحاد القومي!..

وأصبح من حق الصحافة أن تناديه "بصاحب الوزارات"!..

ويلفت نظري في السراج أنه رجل مهذب حقاً، قليل الكلام، فعال في الخفاء..

وقد تنقضي الجلسة الوزارية التي قد تدوم عدة ساعات، دون أن ينبس ببنت شفة، وإذا كان موضوع البحث أمراً داخلاً في اختصاصه، وكان عليه أن يتكلم، نطق ببضع كلمات بصوت خفيض ناعم.. وهو حين يتكلم، يتكلم وعيناه إلى الأرض..

وقد لمع نجمه حين تولي إدارة "المكتب الثاني" قبل الوحدة (المخابرات)، وكان قوة لوحده يحسب حسابها بين كتل الضباط المتصارعة.. وهو واحد من الذين قام على أكتافهم بنيان الوحدة.. ويرأس جهازاً سرياً يخافه الناس!..

وقد ظفر بثقة الرئيس جمال، حين كشف عن مؤامرة الملك سعود، وأمد خزينة الدولة بمليون وتسعمئة ألف جنيه إسترليني، جاءتنا في أشد أوقاتنا حاجة إلى المال..

وكان يجاملني، ربما لأني أكبر منه سناً..

جاءني ذات يوم أهل المحاميين الحلبيين المعروفين، وجيه الحلاج وزكريا قاطرجي، وهم في حالة وجل.. ليخبروني بأن مخابرات السراج اعتقلتهما.. وشعرت بحرج شديد: فهما عضوان في حزب الشعب المنحل.. واعتقالهما يعني أن بعض عناصر الحزب "تتحرك" ضد الوحدة.. وهذه تهمة أستبعدها فعلاً..

واتصلت بالسراج أسأله عن الموضوع، فأيد صحة الواقعة.. وأضاف بأنهما يجتمعان يومياً مع زعيم الحزب الشيوعي في حلب أحمد محفل، في مكتب الحلاج..

وأرسلت إلى "النظارة" من يسألهما من قبلي عما يدفعان به هذه التهمة.. وجاءت الإجابة مثيرة للدهشة، إن لم أقل مضحكة.. فقد كان للمحاميين مكتبان في نفس البناية.. وكانت تسكن في أحد شققها امرأة يهودية مترخصة.. كان ينام عندها الشيوعي البارز العزب.. فلفقت المخابرات تهمة أملاها على رقيبها خياله!..

وحملت معلوماتي إلى الزميل "فوشيه"[2] فاعتراه الخجل، وأمر بإطلاق سراحهما على الفور..

وعاقب "عناصره" المضللة..

ومن حق كل إنسان أن يقول: هذان معتقلان مظلومان، وجدا من يتكلم في صالحهما. ولكن ليس لكل المعتقلين الأبرياء من يستطيع أن يوصل شكاياتهم إلى المرجع العالي..

وهذا قول فصل، لا يستطيع أحد أن يحاجج في سلامته..

ومن باب النكتة، أذكر أن "الانفصاليين" "خصصوا لي رقيباً يراقب تحركاتي.. فكان يقف في مدخل البناية، ليتوقى البرد والمطر، وسألته ذات مرة.. ماذا تستفيد من رؤيتي وأنا خارج أو أنا داخل، وماذا ستقص على رؤسائك؟.. ولم يجد جواباً.. فأعطيته مفتاح السيارة، ليجلس فيها للدفء.. في انتظار نزولي، وأصبحت أصطحبه معي، إلى حيث أذهب.. وكان سعيداً بأن تقاريره أصبحت تحتوي على معلومات "نفيسة" لأمن الدولة.. فقد أصبح المسئولون عن الأمن يعرفون أنني زرت الأستاذ فلان، وحضر بعد ذلك الأستاذ فلان.. وكنت أنا الذي أذكر له الأسماء.. لأنها زيارات تتم بين أصدقاء وفي وضح النهار.. وليس من متطلبات نشاطنا السياسي أن نعمل في الظلام..

ومن أجل ذلك، لم يكن لي ذرة من ثقة في تقارير المخابرات التي كانت توزع علينا في مكاتبنا، حين نكون في الحكم..

إلا إذا كنا نثق في المصدر..

فقد أخبرني ابن خالٍ لي، وكان قائداً لشرطة إحدى المدن، أن أحد الأحزاب التقدمية أخذ يكيد للوحدة.. وأن قيادته عقدت مرة جلسة سرية حتى ساعة متأخرة من الليل.. واتخذت بعض القرارات الضارة بالأمن.. وحين انتهى الاجتماع مع الفجر، كان التقرير عنه على مكتبه بعد ساعة واحدة.. وكان الذي كتبه أحد "المتآمرين" وسلمه إلى المسئول يداً بيد!.. ووصل إلى وزير الداخلية في دقائق، على الهاتف الخاص!.. وبالطبع فإن سيادة الوزير داس على الفتيل برجله، قبل أن تصل النار إلى البارود فيقع الانفجار..

الأربعاء 20: باليه ليننغراد

أمضينا سهرتنا بدعوة من قنصل الاتحاد السوفيتي، لمشاهدة العروض التي قدمتها باليه ليننغراد على مسرح دمشقي..

ولا يكاد المرء يسيطر على إعجابه من أن يعبر عن نفسه بالتصفيق المتواصل لهذه الأجسام الشابة، التي تتلوى وكأنها قضبان مرنة من المطاط الجميل المتسق..

وقد سبق لي أن حضرت هذه العروض عام 1955 في مسرح بولشوي في موسكو بدعوة من القادة السوفييت.

ولا عجب، فلهذه الفرقة شهرة عالمية استحقتها بجدارتها ورفعة فنها المدهش.. وهو فن برغم عري الأجسام، مترفع عن التبذل وإثارة الغرائز..

وفي فترة الاستراحة اخبرني الصديقان رفيق بشور وراتب الحسامي، النائبان في المجلس النيابي (المعلَّق)، بأنهما زارا أكرم الحوراني في بيته، وأنه صرح لهما بكل ما يملك من جزم، بأنه "يتنصل هو وحزب البعث من أي دور له في الوحدة، وأن الذين قاموا بها وفرضوها عليه هم بعض الضباط.."!.

وسمعت عن مصادر بعثية أخرى قولهم إن حزب البعث براء من الوحدة!

وإذاً، فلماذا تصدروا موكبها، وهددوا كل من يقف في وجهها باتهامه بالخيانة ومقاومة الأهداف القومية[3].. وماذا تعنيه كلمة "الوحدة" التي تحتل المقام الأول في شعارات الحزب الثلاثة: وحدة، حرية، اشتراكية؟

مرة أخرى، تبت يدا السياسة الوصولية. ولله در خير الدين الزركلي، حين قال:

ويح السياسة في تقلبها

يسلو الحكيم بها تجلده!

---

الحواشي:

[1] كتب الأستاذ خالد العظم، حليف الأستاذ الحوراني والأستاذ العسلي، في التجمع القومي، عن جماعة الحوراني في مذكراته: "لقد مكنوا محاسيبهم وأقرباءهم من الإثراء والانتفاع وتخصيصهم بعشرات الألوف من الدونمات في أراضي الغاب.." ج3 ص168.

[2] فوشيه، وزير داخلية فرنسي، اشتهر قبل الثورة الفرنسية ببطشه بخصوم الملكية.

[3] وهذا ما قاله خالد العظم في مذكراته ج3 ص166.