السنة الثانية للوحدة - الجزء 2: محاكمات المهداوي في العراق وقطيعة عبد الناصر مع خروتشوف

اقرأ بالإنكليزية

الثلاثاء 10

قامت في البلاد مظاهرات ضد الحكم في العراق.. وكان المتظاهرون يحملون بشدة على "النظام الشيوعي الكافر في العراق"..

وقد حمل المتظاهرون نعشاً رمزياً للضابط العراقي شهاب، ومروا به أمام قصر الضيافة، وراحوا يطالبون الرئيس بإلقاء كلمة فيهم، فوقف على شرفة القصر، وألقى خطاباً مؤثراً جاء فيه:

"بعد قيام ثورة العراق واستيلاء الشيوعيين على الحكم فيه، آثرنا بكل وسيلة أن نعيد الوئام بيننا، لكن قاسم العراق تنكر وصحبه لهذه الجمهورية التي ساندتهم، حين تخلى عنهم الجميع..

ولقد بعثت إلى قاسم العراق أربع مرات أدعوه إلى اجتماع بيننا من أجل وحدة الصف العربي.. ولكنه كان يعتذر بأعذار واهية، ليرفض الاجتماع.. إلى أن تأكد لنا أنه يبيت أمراً ضد القومية العربية، ويخفي عليها حقداً أسود.. واندفع الشيوعيون الذين ادعوا كذباً وزوراً، بأنهم قوميون، ينشرون الأكاذيب ويروِّجون الإشاعات المضللة، في الأوساط الساذجة..

والحقيقة أن حركة الشواف ليست مؤامرة، ولكنها استغلت كفرصة نادرة، لتصفية القومية العربية، وبسط سلطة الشيوعيين على العراق.. وكل من استمع إلى محاكمة عبد السلام عارف، استطاع أن يعرف أن السبب الوحيد لهذه المحاكمة، هو التخلص من عارف، لأنه رفع لواء القومية العربية.."[1]..

وقد قبض قاسم على كبار ضباط الجيش العراقي من دعاة الوحدة العربية ودعامات القومية العربية، وزجهم في معتقلاته الفظيعة، وأخضعهم إلى أنواع شتى من التعذيب، ثم أحالهم إلى "محكمة المهداوي" القبيحة الذكر..

وذكرت إذاعة بغداد التي كانت تنقل مقتطفات من هذه "المحاكمات" أسماء بعض المتهمين، ومنهم الزعيم ناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية والزعيم عزيز العقيلي قائد الفرقة الأولى.. وقد حوكم معهما 8 ضباط كبار..

وفي جلسة 16 أيلول، قال المهداوي رئيس المحكمة للمتهم الطبقجلي:

"أنت قذر ومتعفن"

ورد عليه المتهم "بل أنت القذر المتعفن"!.. وعندها انهالوا عليه بالضرب في قاعة المحكمة.. وهو أمر لم يسبق له مثيل في تاريخ المحاكمات!.

وكنا نسمع، في الإذاعة، نماذج مخجلة عن هذه "المحاكمات"..

وكانت المحكمة "تلتزم" بالأصول الإجرائية التي تقتضي بأن يكون للمتهم محام يدافع عنه.. وكانت تختار هذا "المحامي" واحداً من الضباط الشيوعيين، فيقف هذا الضابط المحامي، ويصب على "موكله" أكثر من "التهم" التي تدعي بها عليه النيابة العامة العسكرية..

ويلقي أحد "الحضور" قصيدة يشتم بها المتهمين، ويمجد الزعيم الأحد، فيرتفع التصفيق، مرفقاً بأقبح الشتائم..

ويطرب رئيس المحكمة، فيستعيد سماع "الشعر"..

وتستمر المهزلة، حتى دعيت هذه "المحكمة" البذيئة باسم "سيرك المهداوي"..

والتسمية غير صحيحة، لأن السيرك يكون للتسلية، وعرض المهارات، أما "محكمة المهداوي" فكانت حماماً من الدماء، يتقرر فيها جز أعناق الأبرياء، وسط ضحكات الأوباش الذين جمعوا من كل حدب وصوب..

ولن أنسى، هذا "المحامي" الذي انتدبته محكمة المهداوي ليدافع عن أحد المتهمين.. فوقف يكيل لموكله التهم، ويلصقها به، ويشتمه، ثم انتهى به موت الضمير إلى مطالبة المحكمة بإعدامه، تطهيراً لذنوبه..

وهذا "الطلب الجاد الذي قرع مسمع المحكمة" سرعان ما استجابت له، وتطهر "المجرم" بسيل من الرصاص!..

وصدرت سلسلة من أحكام الإعدام يوم 16 أيلول 1959، ونفذت فيهم يوم 19 أيلول نفسه.

وجاء في البلاغ الرسمي ما يلي:

"تم في الساعة السابعة من هذا اليوم تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص في ميدان أم الطبول، بحق الخونة المطرودين من الجيش، وهم..."

ولكن الله كان لهؤلاء المجرمين بالمرصاد.. فقد حصدهم رصاص القوميين العرب، وحوسبوا على جرائمهم حساباً عسيراً، وشرب قاسم عام 1963 من نفس الكأس، رصاصاً في جسده، وزقوماً وغسليناً في حلقه..

ولا يظلم ربك أحداً..

وكان عهده عهد تعويق لمسار الأمة، وتمزيق لشملها..

وقد هاجم عبد الناصر الحكم في العراق في سلسلة من الخطب ألقاها بعد أن تأكد من فشل حركة الشواف.. وكرر القول بدمغ قاسم بأنه "عميل شيوعي"، وأنه "قسم" العراق، ويعمل "على قسم" جمهوريتنا مستعيناً بمجموعة من الشيوعيين عنده.. ولم ينس أن يصب جام غضبه على شيوعيي سورية، الذين "خانوا وطنهم"..

وكان هؤلاء نزلوا إلى السرية، منذ قيام الوحدة، ليقاتلوها بنشر الإشاعات والافتراءات!..

الثلاثاء 17 آذار: هجوم على الاتحاد السوفيتي!

نقل الرئيس عبد الناصر هجومه من شيوعيي العالم العربي إلى خرشوف في عاصمة "موسكو".. وخص بالهجوم المركزَّ "العميل الشيوعي المجرم" "قاسم العراق".. وفاضل المهداوي "رئيس محكمة السب" كما سماه..

وقد سارع الاتحاد السوفيتي فعقد اتفاقاً اقتصادياً مع العراق، ليقول لعبد الناصر، إنه سيواجه تحالفاً سوفيتياً عراقياً، إذا أستمر في تهجمه على الشيوعية.. وخطب خرشوف في حفلة التوقيع على الاتفاق المذكور، فهاجم عبد الناصر "بأنه يضطلع بالمهمة غير النبيلة التي يضطلع بها المستعمرون في مهاجمة الشيوعية.. ولكن هل ينسى سيادته أن الشيوعيين وأدوا الذين يهاجمون عقيدتهم.. وتابعوا طريقهم، وأن ناصر يضع القومية العربية فوق مصلحة الشعوب العربية"؟!..

وذكَّر الرئيس ناصر بموقف الاتحاد السوفيتي من عدوان المستعمرين على مصر إبان حرب السويس عام 1956، وأنه تقدم بعرض سخي من أجل إنشاء السد العالي على النيل.. وناصر حر في قبول العرض أو رفضه.. وقال إن المرء العاقل لا يبصق في البئر التي قد يضطر إلى أن يشرب منها مرة ثانية..

ورد الرئيس على خرشوف، قائلاً له، إننا حين صادقنا الاتحاد السوفيتي، فإننا صادقناه بشريطة عدم التدخل في قضايانا الداخلية، لذلك "لا يمكن أن نقبل بالاستعمار الشيوعي" ولا "بهلال خصيب أحمر" ولا "بدكتاتورية حمراء" وأعاد إلى الأذهان بأن الشيوعيين اتصلوا به بعد ثورة 1952 ليصبح شيوعياً منهم، ولكنه "يكفر بالإلحاد وبالتبعية"..

وجاء تعليق خرشوف على خطاب الرئيس، "بأنني أعرف أن ناصراً عدو للشيوعية، ولكني لم أكن أظن أن كرهه لها سيبلغ به هذا الحد. ورغم كل ذلك فإن علاقاتنا بالجمهورية العربية المتحدة سوف تستمر على ما هي عليه الآن"..

إلغاء مجلس الجمارك الأعلى

في عام 1955 كنت وزيراً للمالية.

وكانت الجمارك - ولا تزال - تابعة لها.

وكان يديرها مدير عام.

وشاءت الصدفة أن يكون ذلك المدير رفيقاً لي في الدراسة..

فقد كان قاضياً، وطلبت ندبه إلى المالية، لتعيينه في منصب المدير العام للجمارك..

ولم تمض على وجوده فيها، إلا فترة قصيرة، حتى راحت الألسنة تخوض في ذمته وأمانته...

وكنت أعرفه "القوي الأمين"..

ولكني لا أجهل بأن "زبائن" الجمارك هم عملاء التجار.. وفيهم من لا يحلل ولا يحرم، ولا يخاف الله في ذمة أو مروءة..

وقد اعتادوا على محاولة شراء الذمم.. فإذا استعصى عليهم رجل "نظيف" أحاطوه بجوٍ فظيع من الإشاعات.. حتى يشوهوا سمعته، ويحيطوه بجو من الشكوك..

والناس، من أزل تحب أن تنشر الأخبار السيئة، وتسعى إلى سماعها، وتتناقلها بشيء من المتعة والشماتة.. ولكن إذا ذكر أحد بخير، فإن هذا الذكر، لا ينتقل من مكانه..

خاصة إذا كان المركز الرسمي، يستطيع أن يصل إلى المال الحرام..

حتى الأمين العام للوزارة، "حدثني عن مسموعاته" عن المدير العام.. وقد قص عليَّ "بعض ما سمعه".. ووجدت أنها "قصص" فعلاً، لا يمكن أن يركن إليها غير الأطفال..

وقد يكون "سيادته" طامعاً في ذلك المنصب، كما سمعت.. لذلك، قلت لنفسي لماذا لا نفعل مثل لبنان، ونحدث مجلساً أعلى للجمارك؟ فقد يكون وجوده على رأس المؤسسة، وإشرافه على تصرفات المدير العام، ضماناً يضاف إلى ضمان:

سمعة المدير العام الجيدة - كما أعرفها - ورقابة المجلس الأعلى..

وأعددت الصك القانوني، ونال موافقة مجلس الوزراء، وظفر بإعجاب.. وعينا له رئيساً كان قاضياً ووزيراً سابقاً، وعضوين أحدهما من الحزببين البعثيين المشهود لهم بالأمانة وحسن الفهم..

وسارت الأمور، في أولها على خير ما يرام.. ولكنها أخذت تسوء، بسبب "الصراع" على السلطة داخل إدارة الجمارك..

إلى أن عدت إلى هذه الوزارة في عهد الوحدة..

وبعد إطالة تفكير في واقع الجمارك، وهي المؤسسة التي تغذي الدولة بقسم كبير من ميزانيتها العامة، وجدت أنه لا بد من العودة إلى استعمال "مشرط" جراحي..

وعرضت على المشير عبد الحكيم عامر الموضوع على علاته، بخيره وشره.. وانتهت بنا المناقشة إلى ضرورة إعادة الوضع السابق إلى ما كان عليه، وإلغاء مجلس الجمارك الأعلى، وإعادة المدير العام إلى ملاك وزارته التي أتى منها.. "في الوقت المناسب".

وقد أصدر الرئيس عبد الناصر القرار رقم 476 تاريخ 17 آذار 1959، المتضمن إنشاء إدارة مركزية للجمارك مقرها في القاهرة، يرأسها مدير عام بدرجة وكيل وزارة، يعاونه وكيل عام ومجلس استشاري، كما تضمن هذا القرار إلغاء المجلس الأعلى للجمارك في الإقليم الشمالي، الذي أنشئ بالمرسوم رقم 3135 تاريخ 19-10-1955..

وحتى لا تضيع حقوق موظفيه، نص القرار الجديد على "إلحاقهم بالإدارة الإقليمية الشمالية".. وكانت ردة فعل موظفي الجمارك متباينة، تتراوح بين شامت معجب، وبين ناقم حاقد..

الأربعاء 18 آذار 1959

بدأت قوائم التسريحات تظهر في الجريدة الرسمية..

وأكثرها بناء على اقتراح عبد الحميد السراج، وزير الداخلية..

فقد تضمن القرار 502 تسريح أربعة أطباء من وزارة الصحة..

وتضمن القرار رقم 503 تسريح 39 مدرساً ومعلماً..

وتضمن القرار رقم 509 تسريح أربعة آخرين من الأطباء..

ثم صدرت سلسلة من القرارات في تواريخ لاحقة..

وصدر القرار رقم 770 تاريخ 10 مايو 1959 يتضمن تسريح أستاذين من الجامعة و 107 بين مدرس ومعلم.

والقرار رقم 772 المتضمن تسريح 20 مدرساً ومعلماً من محافظتي حمص وحماة.

والقرار رقم 774، المتضمن تسريح المهندس الزراعي عبد الجبار أبو الشامات. وهو من حلب، وأعرفه شخصياً، وهو يميل إلى المذهب الشيوعي، ولكنه معروف بتفانيه في عمله، ومشهور بحسن سمعته..

وأشهد أنني فوجئت حين قرأت اسمه بين المسرحين..

وبعد ذلك، أي في 8 تموز 1959، جاء عدد الجريدة الرسمية وهو غاص بأسماء المسرحين "بناء على أحكام 85 من قانون الموظفين" التي تجيز لمجلس الوزراء تسريح أي موظف لأسباب يقدرها، ولا حاجة لأن يتضمنها قرار التسريح..

وقد انتقلت هذه السلطات إلى رئيس الجمهورية...

وكان بين المسرحين المهندس إحسان بهاء الدين الجابري، وهو أيضاً ذو ميول شيوعية.. ومن عائلة الزعيم السياسي إحسان الجابري الذي "أعاره" اسمه ولم يعره "مبادئه"..

ومن النظر في هذه التسريحات، يتضح أن ألسنة اللهب بدأت تحرق الشيوعيين، من قمة السلم إلى أدنى درجاته..

ولست أحبذ هذا الاتجاه، لأني أعارض التسريح كمبدأ، إلا في حالات نادرة، تقتضيها مصلحة الدولة العليا..

وعارضت التسريح منذ عرض أول اسم على مجلس الوزراء من قبل وزير الداخلية، وصّوتُ ضده في مجلس الوزراء جهرة وعلناً...

وتفادياً من "حرج المعارضة" أصبحت القوائم تظهر في الجريدة الرسمية، ونقرؤها فيها حين يصلنا العدد.. أي أن عملية التسريح كانت تتم بين وزير الداخلية وصاحب الحق في التوقيع مباشرة، وهو رئيس الجمهورية....

زيارة نائب الرئيس

اجتمعت اليوم بالأستاذ أكرم الحوراني، نائب الرئيس في مكتبه، للبحث معه في موضوع ميزانية الدولة. وكانت الحالة الاقتصادية تزداد سوءاً على سوء من جراء انحباس الأمطار العنيد، خاصة ونحن في منتصف آذار..

وسألته إن كان يرى الرئيس، فأجاب بالإيجاب.. إنه يمتطي الطائرة، ويكون معه خلال ساعتين ونصف الساعة!...

وجرى بيننا حديث عن الخصومة المتفاقمة مع الاتحاد السوفيتي.. فحمل على الشيوعيين حملة شديدة، ووصفهم بأنهم "أوباش، مجرمون".. وقال: إذا كان الاتحاد السوفيتي سيساندهم، فخير لنا أن تسوء علاقاتنا به، منذ الآن. ونحن في حياتنا كلها لم نقبل معونة أحد..

ولم أكن من هذا الرأي، فذكرَّته، بصداقتنا القديمة مع ذلك البلد، الذي ساندنا عام 1955، حين حركت تركيا جيوشها على حدودنا، وحين وجه إنذاره المخيف إلى فرنسا وإنكلترا، إبان العدوان على قناة السويس.. ومصر كلها عام 1956! وهل يجوز لنا أن ننسى أن عدونا القاتل، الأول والأسوأ، هو الصهيونية العالمية، وأن أمريكا ودول الغرب الاستعمارية تستميت في مساعدتها.. ومدها بأسباب الحياة..

فأية مصلحة لنا من معاداة السوفييت، وهم الذين يقفون معنا - ولو بالكلام - في المصطرع الدولي، ويمدوننا بالأسلحة؟..

صحيح أنهم ضد الوحدة، وظهر الدليل على هذا الموقف، بعدم حضور بكداش جلسة التصويت عليها.. وهاهم اليوم يقفون إلى جانب قاسم الذي تتقاطر إليه أفواج الشيوعيين الهاربين من بلادهم.. وقد قرأت في جريدة غربية مؤخراً، إن الغربيين يفضلون أن يصبح العراق شيوعياً على أن ينضم إلى الجمهورية العربية المتحدة.. وأخشى أن تصبح بغداد نقطة انطلاق ضد هذه الجمهورية الفتية..

ولكن الأستاذ الحوراني كان اليوم، غير ما كانه في الأمس القريب!..

كان خالد بكداش، أيام "التجمع القومي" قرة عين الحوراني وخالد العظم (المليونير الأحمر) وصلاح البيطار وصبري العسلي، فتى الدولة المدلل، وكان يتصدر مجلس اتخاذ القرارات الخطيرة.. كان "اللسان الناطق" باتجاهات "الدولة الصديقة"..

والآن! الآن، أصبح العدو المطارد.. "الجاسوس الخائن"..

وهذان تعبيران يردان على لسان الأستاذ أكرم، بشكل طبيعي وغير متكلف، ضد الذي يكرهه، شخصياً أو سياسياً..

وسبحان الذي يغير ولا يتغير!...

ألم يقل خير الدين الزركلي:

ويح السياسة في تقلبها

يسلو الحليم بها تجلدهُ..

---

الحواشي:

[1] يراجع كتاب الأستاذ أمين سعيد ج 2 ص290.