ملحق (2): مذكرة الجيش عام 1958 التي أطلقت الوحدة وحديث الإذاعة عن دستور 1950

اقرأ بالإنكليزية



وثيقة رقم 1 : براءة وسام الاستحقاق السوري





المرسوم رقم 1

أن رئيس الجمهورية

بناءً على أحكام المرسوم التشريعي رقم 66 تاريخ 16/1/1952 وتعديلاته، وعلى الطلب المسجّل برقم 2939/ع تاريخ 22/12/1955 وعلى اقتراح رئيس مجلس الوزراء

يرسم ما يلي:

مادة 1- يسمح بحمل وسام الجمهوريّة من الطبقة الأولى الممنوح من الحكومة المصريّة إلى كل من:

معالي الدكتور منير العجلاني وزير العدلية

معالي السيد حسن الأطرش وزير الدولة

معالي السيد عبد الباقي نظام الدين وزير الاشغال العامّة والمواصلات

معالي السيد رشاد برمدا وزير الدفاع الوطني

معالي السيد علي بوظو وزير الداخليّة

معالي الدكتور عبد الوهاب حومد وزير المالية

معالي السيد محمد سليمان الأحمد وزير الدولة

معالي الدكتور رزق الله انطاكي وزير الاقتصاد الوطني

معالي الدكتور مأمون الكزبري وزير المعارف

معالي السيد أسعدهارون وزير الدولة

معالي الدكتور بدري عبود وزير الصحة والإسعاف العام

معالي السيد مصطفى ميرزا وزير الزراعة

مادة 2- ينشر هذا المرسوم ويبلغ من يلزم.

دمشق 3/1/1/1956

شكري القوتلي

صدر عن رئيس الجمهورية

رئيس مجلس الوزراء سعيد الغزّى

وثيقة رقم 2 : دستور عام 1950



دستور عام 1950

سعادة الدكتور عبد الوهاب حومد رئيس لجنة إعداد القوانين المحترم

بكتابكم ذي الرقم ١٤/ مرّ المؤرّخ في ١١/١/١٩٥١ تفضلتم وأعلمتموني إنجاز ما كلّفتم بإعداده إثر إقرار الدستور من مشاريع قوانين أذكرها فيما يلي:

مشروع قانون المجلس الاقتصادي الدائم

مشروع قانون مجلس المعارف

مشروع النظام الداخلي لأعمال الحكومة

مشروع قانون نظام رئاسة مجلس الوزراء وتحديد ملاك الرئاسة

مشروع قانون التنظيمات الإدارية (مجالس المحافظات)

مشروع قانون نظام مجلس الوزراء

وقد أُحيلت هذه المشاريع إلى مجلس الوزراء، لدرسها وإقرارها وأن الحكومة أحالت إلى مجلس النواب مشروع قانون المجلس الاقتصادي، وفي الوقت الذي تنهون فيه العمل الذي أوكِلَ إليكم القيام به يسرّني أن أعرب لكم ولأعضاء اللجنة المحترمين عن شكر الحكومة وفائق تقديرها للجهود المثمرة التي بذلتموها خلال ثلاثة أشهر بما عُرِفتم من ثقافة عالية، وحرصٍ على المصلحة العامة. راجياً لكم دوام التوفيق في خدمة البلاد، والله يحفظكم.

دمشق ١٧/١/١٩٥١

رئيس مجلس الوزراء

ناظم القدسي

أسماء أعضاء اللجنة:

الدكتور قسطنطين زريق

الدكتور حسني الصواف

الدكتور جميل صليبا

الدكتور يوسف عبجي

الدكتور توفيق المنجد

الدكتور فؤاد شباط

الدكتور عزة طرابلسي

الدكتور واصل القابي

الحديث الأول عن الدستور

حديث أُلقي في الراديو مساء الثلاثاء ٢٨ آب ١٩٥0

حضرات المواطنين.

بعد أيام قليلة، بعون الله، يكون لسوريا دستور جديد تزهو به وتفاخر شقيقاتها العربيات، لأنه فيما أعتقد، جاء معبّراً أصدق تعبير عن آمالها وأمانيها، ورغبتها الصادقة في حياة عزيزة منتجة...

ويذكر المواطنون الكرام أن الدستور السابق قد نشره المفوّض الفرنسي بقرار صادر عنه، رقمه ٣١١١ وتاريخه ١٤ مايس ١٩٣0، بعد أن حوّر المواد ٢، ١٧، ٢٤، ٣٥، ٤١، ٦،، ٦٨، وأضاف المادة رقم ١١٦ أي أنّه شوّه إرادة الجمعية التأسيسية بالتحوير ثمّ شل إرادة البلاد بالمادة ١١٦.

ولم ينظر الفرنسيون إلى الدستور الذي وضعوه نظرة احترام مطلقاً، وإنما كانوا يطبّقونه، أو يعلقون أحكامه، حسب سير التيار الشعبي، مدّاً أو جزراً، ثورة أوركودا، وحسب مصالحهم العسكرية والسياسية ولذلك، فإن الدستور السابق كان كالآلة في يد المستعمر، حتى إذا انجلى من البلاد غيهبه، عبث به ساسة العهد الوطني، حتى افقدوه آخر ما كان له من حرمة في نفوس المواطنين.

ولذلك لم يكن لسقوطه أيّة جلبة أو ضوضاء، بل على العكس من ذلك قُوبِل سقوطه بفرح، لا يستطيع نكرانه أحد. وإذا كان لهذه الظاهرة خطرها الشديد، فإني أتوسل إلى الله جلّ اسمه أن يفيد ساسة العهد الحاضر، ومن قد يليهم في الحكم من هذا الدرس القاسي، ويعلموا أن الحكم أمانة مقدّسة في أيدي الحاكمين، يجب أن يوجّه في طريق المصلحة العامة، لا في طريق المصلحة الشخصية.

-٢-

وبعد فقد دعتني مديرية الإذاعة المحترمة إلى التحدّث من المحطّة السوريّة إلى المواطنين السوريين وتبيان النقاط البارزة في الدستور الجديد، والفوارق بينها وبين الدستور السابق المُلغى، فقبلت الدعوة شاكراً، لأنها أتاحت لي الفرصة لكي أُطلِع أبناء وطني على مزايا هذا الدستور. فهو في الواقع إنساني إشتراكي، قائم على فكرة العدالة الاجتماعية والتضامن بين المواطنين، ويرمي إلى إنشاء وطن قوي، بما أدخله من أسس الإصلاح الأساسية، ووجه الدولة كلّها لخدمة المجموع، وحدّد العلاقات تحديداً دقيقاً بين سلطات الدولة فلا تطغى أحدها على الأخرى، من خلال غموض النصوص.

-٣-

تضمن الدستور الجديد مقدمة، اشتملت على المبادئ الكبرى التي قام عليها القانون الأساسي، والغاية منها تذكير المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، قبل أن يقرأوا أي مادة منه. وهذه المقدمة تجديد بالنسبة إلى الدستور السوري السابق، ودستورَي مصر والعراق.

وهذه المبادئ هي:

١- إقامة العدل على أسس قويمة، وقد قال الله تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}، وفق نظام جمهوري حر، يحب أن يكون القضاة خاصعين للشعب، والشعب خاضعاً للقوانين، والقوانين خاضعة للعدالة.

وقد علّق واضعو الدستور أهمية كبرى على إقامة العدل، فوضعها الهدف الأول من أهدافهم ولا يمكن أن يضمن لكل ذي حق حقه، إلا إذا كان القضاة نزيهين، أقوياء في شخصياتهم، عظماء في شعورهم، ومن إلهامهم الشخصي وحده.

2- ضمان الحريات الأساسية لكل مواطن، وقد جاء في الهدف الثاني المذكور أن من واجب الدولة أن تعمل على أن يتمتع المواطن بصورة فعلية في ظل القانون والنظام.

-٢-

وبان في التعليل الذي أعطى لضمان الحريات العامة، بأنها أسمى ما تتمثل فيه معاني الشخصية والكرامة الإنسانية، دليلاً واضحاً على الاحترام العميق الذي يكنّه واضعوا الدستور لهذه الحريات العامة، التي تفرق بين الحر والعبد، وبين الإنسان وغير الإنسان،

٣- نشر روح الإخاء، وتنمية الوعي الاجتماعي بين المواطنين، وهذا هدف قدّس حقاً، لأن بلاداً كبلادنا تعددت فيها الأديان والمذاهب، يجب أن تجعل الإخاء رائد الجميع، وهذا يقود إلى تنمية الوعي الاجتماعي، حتى لا يفكر المواطن تفكيراً فردياً ضيقاً، وأن يعمل ضمن نطاق المصلحة العامة.

ولذلك أوجبت المقدمة التي نحن في صددها، التوسع في تنمية هذا الوعي الاجتماعي، حتى يستشعر كل إنسان أنه جزء له قيمته في بنيان الوطن، وأن هذا الوطن يحبه ويحترمه وهو في حاجة إليه.

ولقد دلّل المواطنون جميعاً، بحمد الله، على هذا الشعور بالإخاء، ولكن الوطن في حاجة إلى تقويته، وإلى تنمية الوعي الاجتماعي، أكثر مما هو عليه الآن.

٤- دعم واجب الدفاع عن الوطن والجمهورية والدستور، فالوطن هو الأرض التي غذتنا بلبانها والتي تحمل آثار مدنيتنا، وتختلط في ذرّاتها أحداث التاريخ برفات الآباء والأجداد، وهو القوم الذين نشأنا منهم، ودرجنا فيهم، والذين يتكلمون لغتنا، ويحملون معنا الماضي والحاضر وينظرون مثلنا إلى مستقبلٍ حرٍّ باسم، والجمهورية هو النظام من الحكم الذي رسخ في نفوس شعبنا، وأعلن عزمه مراراً، على الاستمساك به، حتى أصبح تقليدنا الدستوري، ومركز الثقل في كياننا السياسي، والدستور هو هذا السفر العظيم الذي يُجمِع على تقديسه كل مواطن، مهما كانت عقيدته الدينية أو السياسية، هذا القانون الأعظم الذي يضع خطط الحكم، وينسق فعالية السلطات، وهذه الحقائق الثلاث هي معنى حياتنا القومية والسياسية، ولذلك نصّت المقدمة على بذل الدم والمال والعمل والعلم في سبيل صيانتها.

٥- تحرير المواطنين من ويلات الفقر والمرض والجهل والخوف، وأي واجب أقدسُ من إشباع الجائع، وإشفاء المريض، وتعليم الجاهل، وتأمين الخائف؟

ولما كان مرد هذه الآفات العظيمة، إلى سوء النظام الاجتماعي القائم، وخاصة جانبه الاقتصادي، فقد نصّت المقدمة على ضرورة إقامة نظام اقتصادي واجتماعي جديد، يؤمّن الغاية المرجوة من. ونلاحظ أن النص يقول: "إقامة نظام، ولم يقل تحسين النظام القائم لا يصلح لشيء.

وسوف نشرح في المحاضرات التالية ما أراد المؤسسون بهذا النظام الاقتصادي والاجتماعي الصالح.

٦- كفالة المساواة في الواجبات العامة والحقوق، والمساواة المذكورة ليست المساواة التقليدية، التي تقول الناس متساوون، وإنما هي المساواة الحق الصحيحة، التي يتساوى فيها الناس في التضحية والمساهمة، كل بحسب قدرته.

-٣-

وعلى هذا فإن الضرائب ستفرض على أساس تصاعدي، لا على أساس نسبة موحّدة، كما كان الوضع السابق.

٧- تقوية الشخصية الفردية وتثقيفها وتعهّدها، والمقصود بهذه الشخصية، كل مواطن، رجلا كان أم امرأة... وأن الوطن يتكوّن من مجموع هذه الشخصيات، فإذا كانت غير صالحة، أنتجت مجموعاً غير صالح، وإن كانت قوية مثقفة، كان الوطن مكوّناً من خلايا قوية واعية، فيشعر كل مواطن أنه المسؤول الأول عن سلامة الوطن، وعن حاضره ومستقبله، ويعرف واجبه أمام هذا الوطن وتسليمه إلى أولاده بعد موته، وهو موفور الكرامة عزيز الجانب.

٨- الاستمساك بالإسلام،ومثله العليا، وإقامة الدولة على أسس من الأخلاق القويمة التي جاء بها هذا الدين الحنيف، وبشّرت به الأديان السماوية الأخرى. وهذا مبدأ جديد لم يكن في الدستور السابق.

وإذا كانت الدولة تستمسك بأهداب الإسلام، فلأنه دين أكثرية المواطنين. والإسلام في مراحله المختلفة، من قوة وضعف، برهن على أنه دين المحبة والتسامح، كما برهن المسلمون في أيام مجدهم واستعبادهم، على حسن معاملة أهل الذمة، وخاصة إخواننا المسيحيين، الذين ساهموا كما ساهمنا نحن المسلمين في تشييد عظمة الوطن العربي، والتراث الخالد، ثم ذاقوا معنا مرارة الحكم الأجنبي، فانصهرنا جميعاً في بوتقة الوطن الكبرى، يعبد كل منّا ربّه وفق أحكام دينه، ولكنه في النطاق القومي، عربي معتزّ بعروبته، يضع وزنه العربي فوق دمه وماله.

٩- التعاون مع شعوب العالَمَين العربي والإسلامي، هذا أبسط ما يقضي به واجب الدفاع عن النفس وكرامة الأخوة العربية، وحق الجوار. ولا يجهلن عربي ولا مسلم، في مشارق الأرض ومغاربها، أن ضياع فلسطين الشهيدة المجاهدة، لم يكن نتيجة لحكم السلام، ولا للجولات الحربية، وإن كان نتيجة لأسباب متعددة، من أهمها رغبة الأجانب في تقطيع أوصالنا، وإقامة الدخلاء في أقدس بقاعنا، حتى يهددنا بهم في كل ساعة نقاوم فيها مطامعهم الاستعمارية والتجارية.

١٠- الشعب السوري جزء من الأمة العربية بتاريخها الطويل الحافل، وحاضرها القلِق المفزع، ومستقبلها الذي لا نستطيع أن نستشفه من خلال ستر الغيب، وأن شعبنا السوري العربي، سيبذل قصارى جهده في جمع شمل الأمة العربية في دولة واحدة، تمتدّ كما تمتدّ الإمبراطوريات الكبرى، من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي، وبذلك يعيد التاريخ نفسه، ونعود كما كنّا سادة في مواطننا، محترمين في العالم الدولي. وقد تضمن القسَم الذي يؤدّيه النّوّاب والقسَم الذي يؤدّيه رئيس الجمهورية واجب العمل على توحيد شمل الأقطار العربية، مما ليس له مشابه، لا في الدستور السوري السابق ولا في دستورَي مصر والعراق ولا في دستور لبنان الشقيق، لأن كل هذه الدساتير لم توضع في جوّ طليق حر.

هذه هي الأهداف العشرة التي قامت عليها بناية الدستور السوري الجديد، الذي سنّ في جو حر وإرادة الشعب السوري وحده، وهي أهداف مقدسة، من واجب كل سوري، لا من واجب النوّاب وحدهم ورجال السياسة أن يحققوها...

وسوف نرى في أحاديثنا القادمة كيف رسم الدستور الجديد طريق تحقيقها. فإلى حديث قادم إن شاء الله

عبد الوهاب حومد.

الحديث الثاني

حضرات المواطنين

في حديثي البارحة، تكلّمت عن مقدمة الدستور والأسس العشرة التي قام عليها قانوننا الأساسي، ووعدتُ أن أتحدث عن الطرق التي رسمتها مواد الدستور لتحقيق هذه الغايات الشريفة.

وإن حديثي اليوم سيتناول الفصل الأول وقسماً من الفصل الثاني. ويسرّني أن أُعلن من الآن، أن هذه الدراسات، ليست دراساتٍ فقهيّة عميقةً، وإنّما هذه أحاديث عامّة، غايتها التعريف لا التحليل، والوصف لا الاستقراء.

إن الفصل الأول يبحث في شكل الحكم:

فسوريا، كما كانت في الدستور السابق، جمهوريّة نيابيّة، ذا سيادة تامّة، لغتها العربية، ودين رئيسها الإسلام، وعاصمتها دمشق، وعلمها هو العلم الذي يرفرف رؤوسنا: وتمثيل كرامتنا وشرفنا القومي.

ولكن الدستور الجديد تضمن في هذه الفصل أموراً أخرى لم تكن في الدستور السابق: فقد نصّ على أنّ سوريا «جمهورية عربية»، وأن الشعب السوري جزء من الأمّة العربية. وليس شيء من ذلك، في دساتير مصر والعراق ولبنان.

وبذلك تكون سوريا المتحررة، بحمد الله وفضله، من كل قيد أجنبيّ قد أعطت الدليل القاطع على أنّها تتبنى في دستورها بصورة لا لبس فيها ولا غموض، فكرة الدولة العربية الكبرى.

وقد تضمّنت المادّة الخامسة عشرة من الدستور الجديد، تطبيقاً عمليّاً لهذه الفكرة العربيّة السامية، فقالت: «يمنح القانون تسهيلاتٍ خاصة للمغتربين السوريين وأبنائهم، وأبناء الأقطار العربية».

وإنّ لآملُ أن يأتي اليوم الذي تمنح فيه جنسيتنا السورية، لكل عربي، يقيم بضعة أيام في سورية.

وقد تضمّن الفصل الأول أموراً لا تقل أهميّة عن هذا أيضاً:

فقد تضمنت المادة الثانية على أن السيادة للشعب لا يجوز لفرد أو جماعة ادعاؤها، وأن السيادة تقدم على مبدأ حكم الشعب، بالشعب، وللشعب. وهذا المبدأ يمثّل فكرة الحكم الديمقراطي الصحيح، وهو المبدأ الذي نادى به الرئيس الأميركي الشهير، إبراهام لنكولن، ودخل فقرة في آخر المادة الثانية والدستور الفرنسي الحديث. ويُراد بهذا المبدأ أن الشعب لا يحكمه إلّا ذاته، بواسطة أفراد منه ينتخبهم انتخاباً حرّاً، على أن يُوَجّه هذا الحكم لمصلحة الشعب نفسه، لا لمصلحة الحاكمين.

وقد أصبح الفقه الإسلاميّ المصدر الرئيسي للتشريع عندنا، وهذا ربحٌ عظيم للدستور الجديد، لأنه حافظ بذلك على تراث فقهائنا العظام، الذين شهد بفضلهم كل من زاول صناعة العلوم القانونيّة، في الشرق والغرب. وليس من شك في أن كلّ أمّة تقطع صلتها بماضيها، تفقد الكثير من مقوّمات حياتها السياسيّة والاجتماعيّة.

أما الفصل الثاني، فقد تضمّن المبادئ الأساسية، وهي المبادئ التي تُعتَبَر الركائز القوية التي يقوم عليها بناء المجتمع، وتُحدّد حقوق المواطنين وواجباتهم.

وأول هذه المبادئ هي ضمانة الحريات العامة، التي قالت عنها مقدمة الدستور، أنها "أسمى ما تتمثّل فيه معاني الشخصية والكرامة الإنسانية". وهذه الحريات متعددة، أحيطت بكثير من الاحترام، حتى لا يكون هناك مجال للعبث بها، عن طريق التشريعات الطائشة.

وأولى هذه الحريات، حرية الاعتقاد، فهي مطلقة لجميع الأديان السماوية، وهذا مبدأ أصبح راسخاً في حياتنا الدستورية، لأن الإسلام بشّر به في قوله تعالى: لا إكراه في الدين، وكرّسته المادة ١٥ من الدستور القديم، وجاء صريحاً في المادة الثالثة في الدستور الجديد.

وثانيها الحريات الشخصية، وقد تضمنت المادة العاشرة التطبيق الرئيسي لهذا المبدأ:

فكل إنسان يعتبر بريئاً حتى يُدان بحكم قانوني، ويمنع تحرّي الناس أو توقيفهم إلا في حالات معينة ذكرتها الفقرة الثانية من المادة المذكورة على سبيل الحصر.

وحُرِّم على السلطات الإدارية توقيف أحداً توقيفاً احتياطياً، وضُمنت سلامة الدفاع القضائي، في كل مراحل الدعوى، أي في دوائر التحقيق وفي محاكم الحكم.

وألغيت المحاكم الاستثنائية، وقُصِرَت مهمة المحاكم العسكرية على أفراد الجيش مبدئياً.

وأصبح من واجب السلطات التي تُلقي القبضَ على شخص في الحالات الثلاث التي ذكرها الدستور (وهي حالة الأمر القضائي والجرم المشهود، وقصد إحضاره إلى السلطات القضائية بتهمة ارتكابه جناية أو جنحة) أن تُبلّغه بصورة خطية في خلال ٢٤ ساعة أسباب توقيفه، والنص القانوني الذي أوقف بموجبه، ويجب أن يُسلَّم إلى السلطات القضائية خلال ٤٨ (ثمان وأربعين) ساعة على الأكثر من تاريخ توقيفه. ونظراً لأن الدستور أعطاه حق الاعتراض على التوقيف حالاً بواسطة محامٍ أو قريب، وأجبر القاضي المختص على النظر حالاً في الأمر، فإن الأسواء التي كان الناس يشكون منها، تكون قد زالت.

ولم ينسَ الدستور أهمية السجن، فأشار إلى أنه يُعتبره لا دار عقوبة فحسب، وإنما دار صلاح أيضاً. ويعلَمُ المواطنون أن حالة السجون في بلادنا محزنة حقّاً، لأن السجن يتعلم فيها فنون الشقاوة، نظراً لهذا الاختلاف المخيف بين السجناء، ونظراً لفساد السّجانين، وأساليبهم السيئة في توفير كل ما هو ضارّ بأخلاق المساجين وتربيتهم وصحّتهم وسلوكهم.

ويدخل في هذه الحريات حريةُ المساكن، وحرية المراسلات البريدية والبرقية، وعدم تسليم اللاجئين السياسيين، الذين يدخلون سوريا هاربين من الاضطهاد والظلم والتعسف الذي يتعرضون له في بلادهم، بسبب مبادئهم السياسية التي تخالف مبادئ القائمين على الحكم، أو بسبب دفاعهم عن الحرية المقدّسة.

وإذا كان هذا المبدأ عادةً دوليّة، إلا أنه لم يكن في الدستور السابق، وهو غير موجود في دساتير الدول العربية الأخرى بصورة صريحة. وأول دستور نصّ عليه هو دستور الثورة الفرنسية عام ١٧٩٣ فقال: "يُمنح حق الملجأ للأجانب المبعدين عن أوطانهم دفاعاً عن الحرية، ويُرفٓض هذا الحق للطغاة". وقد كتب السير بالمرستون الإنكليزي هذه البرقية الشهيرة: "إذا كانت هناك قاعدة احتُرمت أكثر من غيرها في الأزمنة المعاصرة، فهي عدم تسليم لاجئ سياسي... وإن قوانين الضيافة ومقتضيات الإنسانية والعواطف البشرية تتضافر كلّها على تحريم تسليم لاجئ كهذا.

وكلّ حكومة مستقلّة. تفعل هذا، تصم نفسها بأنها لا تفقه معنى للشرف".

وقد وقعت في سوريا في العشر سنوات الأخيرة، حادثتان اثنتان، نذكرهما بمرارة وحسرة...!

وثالثة هذه الحريات، الحريات الاجتماعية والسياسية، ونقصد بها الحريات الآتية:

١- حرية الرأي، وقد كفلتها الدولة كفالة.

٢- حرية الصحافة، التي لا يجوز تعطيلها أو إلغاء امتيازها إلا وفقاً لأحكام القانون.

وهاتان الحريتان يتيحان لكل سوري أن يقول ما يشاء ويكتب في الصحف ما يهوى، على شرط واحد، هو ألا يتعدّى الحدود التي رسمها قانون العقوبات في مباحث الافتراء والذم والتحقير. وليس من شك في أنه إذا أباح الدستور حرية القول والكتابة فإنه قرّر احترام الآخرين، وعدم جرح كراماتهم، واهانتهم، وهذا مبدأ مقرر في الفقه الدستوري، إذ أن حرية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين.

٣- عدم إبعاد السوريين عن أرض الوطن، وبذلك تكون عقوبة الإبعاد المنصوص عنها في المادة ٤٧ من قانون العقوبات قد أُلغيت. ولكن لابد من إصدار قانون خاص بذلك، وفقاً لأحكام المادة الانتقالية.

٤- حق الاجتماع والتظاهر، على أن يكون ذلك بصورة سليمة. وهذا حق بديهي، لمعرفة رأي المواطنين في سياسة بلادهم وتصريف شؤونها.

٥- حق تأليف الجمعيات الخيرية، التي لا يقصد بها ربح مادي، كجمعيات المواساة، والجمعيات التي تعمل على نشر الثقافة، والفنون، والأخذ بيد الطفولة البائسة.

٦- حق تأليف الأحزاب السياسية، شريطة أن تكون حائزة على الشروط الثلاثة الآتية:

أ- أن تكون غاياتها مشروعة، أي ألّا تكون محرَّمة في القوانين الجزائية، كالأحزاب التي تهدف إلى فصل جزء من أراضي الجمهورية مثلاً.

ب- أن تكون وسائلها سليمة، أي أن تعمل على الوصول إلى أهدافها بالطرق الدستورية، ولذلك تمنع الأحزاب الإرهابية، والأحزاب ذات الصبغة العسكرية.

ج- وأن تكون ذات نظم ديمقراطية، أي أن تكون برامجها منسجمة وأهداف الدستور. فلا يُقبل تأليف حزب سياسي، إذا كان من شأنه نقل السيادة من الشعب، لحصرها في يد فرد أو جماعة، كالأحزاب الديكتاتورية، أو الأحزاب التي تريد العبث بنظام الحريات الأساسية التي كفلها الدستور.

وهكذا فإن دستورنا الجديد، بما أدخله من مبادئ حديثة وبما وسّعه ونقّحه من المبادئ السابقة، قد أتى في هذا المضمار في مقدّمة دساتير العالم العربي.



المرسوم ٥٠

أن القائد العام للجيش والقوى المسلحة

بناء على المرسوم رقم ٣ المؤرّخ في ١ نيسان ١٩٤٩ المتضمن حل مجلس النواب

وعلى المرسوم التشريعي رقم ١ المؤرّخ في ٢ نيسان ١٩٤٩

يرسم ما يلي:

١- تؤلف لجنة لوضع دستور جديد للبلاد السورية وقانون للانتخابات النيابية من السادة:

أسعد الكوراني: الأمين العام لوزارة العدلية

رئيساً

حسن الزين: رئيس محكمة التمييز

أعضاء

جورج جبارة: مستشار محكمة التمييز

عبد الجواد السرميني: رئيس محكمة البداية في دمشق

سامي الميداني: عميد كلية الحقوق

الدكتور عبد الوهاب حومد: الأستاذ في كلية الحقوق

الدكتور يوسف عبجي: مدير الموارد العامة في وزارة المالية

٢- ينشر هذا المرسوم ويبلغ من يلزم لتنفيذ أحكامه.

دمشق في ٩ جمادى الآخرة ١٣٦٨ و٧ نيسان ١٩٤٩

القائد العام للجيش والقوى المسلحة

(حسن حسني الزعيم)

٥٤/٥٠٢

نسخة إلى الدكتور السيد عبد الوهاب حومد الأستاذ في كلية الحقوق

٧/٤/١٩٤٩ - الأمين العام

وثيقة رقم 3 : الوحدة التاريخيّة لقادة الجيش السّوريّ

كان الزعيم أمين النّفوري قدّم وثيقة هامّة باسمه واسم زملائه قادة الجيش إلى كل من رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النّوّاب ووزير الدفاع خالد العظم...

فأعلمه أّنه وزملاؤه رئيس الأركان العامّة ورؤساء الشعب، وهم السّادة:

عفيف البزرة، عبد الحميد السراج، أحمد عبد الكريم مصطفى حمدون وغيرهم... اجتمعوا وبحثوا قضيّة الاتحاد الفدرالي مع مصر، فوجدوا من الأفضل أن يكون الاتّحاد على أساس الوحدة الشاملة، لذلك ألّفوا وفداً من الضباط برئاسة السيّد البزرة وسافروا بعد منتصف الليل إلى القاهرة ليحملوا قرارهم إلى الرئيس جمال عبد الناصر.

وهذا نص المذكرة التي تحتوي على مطالب الضّباط المذكورين:

الأسباب الموجبة:

منذ أن عرف التاريخ شعباً باسم «العرب» في الجزيرة العربية، كان للعرب في التاريخ القديم خصائص طبعت مختلف الأقطار التي تكلمت العربية بطابع واحد وهو طابع النضال والتحرر والاستقلال من نفوذ الإمبراطوريات القديمة.

وكانت الدفعة التي خرجت من الجزيرة العربية بعد توحّدها بدولة واحدة وعقيدة إنسانية واحدة، والتي امتدت من خلال قرون طويلة عبر الجزيرة العربية، واستقرت ما بين الخليج العربي وجبال فارس شرقاً والأطلس غرباً وما بين طوروس شمالاً والمحيط الهندي جنوباً، قد رسخت أصول هذه الأمة ترسيخاً أبدياً وخطَّت في تاريخ البشرية صحائف بارزة من حضارة إنسانية ابتدعتها هذه الأمة وقدمتها دانية القطوف لمختلف الشعوب. وتعاقبت موجات همجية متعددة وتكالبت لتحطيم هذه الحضارة الإنسانية وإزالة كيانها خلال عشرة قرون. وكان بفعل ذلك أن تمزقت هذه الأمة إلى دويلات كثيرة مختلفة، ولكن بقيت حضارتها في نفس كل من أبنائها على اختلاف سويّتهم الفكرية والاجتماعية، وبقيت في وجدان كل منهم فكرة ثابتة لا تمحى عن ذاتيتها الماضية وأمانيها المقبلة.

وقد كان للنضال والتحرر في تاريخ العرب الحديث أثر فعّال في تحقيق هذه الفكرة في نفوس الملايين من العرب.

وكان استقلال وتحرر بعض الشعوب العربية تحرراً كاملاً حافزاً لانتفاضات عربية في أماكن أخرى من الوطن العربي، وباعثاً على النضال لشعوب أخرى تنشد الاستقلال والتحرر تحقيقاً لتلك الفكرة المستقلة في وجدان كل عربي.

مما سبق تبين أن الوحدة بين مصر وسورية إن هي إلا ضرورة قومية مستمدة من ماضي وحاضر ومستقبل مشترك ما بين أفراد أمة واحدة عربية، وذلك تحقيقاً لوحدة شاملة واحدة في العصر الحديث، ومما ومساهمة في القضاء على الاستعمار في العالم لبناء الإنسانية وترسيخاً لرسالتها. قد عبّر القطران عن إرادتهما في الوحدة الكاملة في شتى المناسبات القومية، وخاضا في سبيل ذلك معارك ضارية ضد الرجعية الداخلية والاستعمار الخارجي، حتى توصلا إلى هذه المرحلة التي تمكنا فيها من إعلان إرادتهما رسمياً على لسان ممثليهما في كلاً من القطرين في الجلسة التاريخية المنعقدة في دمشق بتاريخ ١٨ تشرين الثاني ١٩٥٧. وكان هذا النصر للقومية العربية بعد صراع رهيب دام مع الاستعمار خاضه الشعب العربي أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦ وخلال الحملة الاستعمارية الأمريكية -التركية- الصهيونية على سورية عام ١٩٥٧.

وقد زلزل هذا القرار التاريخي كيان الاستعمار فأخذ يجمع شمله في مؤتمرات متتابعة عقدها مع أحلافه في أنقرة وباريز وبغداد وطهران، ويجند عملاءه وأعوانه ويكتلهم ويضع الخطط لهم للحيلولة دون تنفيذ هذا القرار.

ولما كانت الظروف الحالية التي نشأت من جراء انتصار شعبنا العربي في مصر وسورية قد ربطت بين قضيتنا العربية وبين السلم العالمي إلى حدّ بعيد وأفسحت المجال لنا لكي نخطو خطوات إيجابية سريعة تتناسب وأهمية انتصاراتنا، ونظراً لاحتمال تغيير هذه الظروف والمناسبات وخاصة إذا تمكّن الاستعمار من إنهاء استعداداته للمجازفة بخوض حرب شاملة أو محلية بسبب تعرّض مصالحه التي يعتمد عليها في حياته الأساسية في وطننا العربي إلى الزوال، فعلى ذلك فإننا ندعو إلى ضرورة الإسراع بإقرار البناء الأساسي للوحدة الشاملة مع مصر والمباشرة بتنفيذه فوراً وتخطي جميع العقبات المصطنعة من دستورية أو سياسية مباشره أو اقتصادية. ونحن نعتبر أن كل استمرار للأوضاع المحلية أصبح أمراً غير طبيعي لا يعتمد في بقائه إلا على المبررات الاستعمارية الموروثة والامتيازات الرجعية والانتهازية التي لا يمكن الاعتراف بها بعد أن أقرّ الشعب بأجمعه الوحدة غير المنقوصة.

شكل الوحدة: من أجل ذلك نرى أن تكون الدولة الموحدة بالخطوط الكبرى التالية:

١- دستور واحد يعلن إنشاء الجمهورية العربية الجديدة ويرسم نظام الحكم فيها ويفسح المجال لانضمام بقية الشعوب العربية التي ستحرر.

٢- رئيس دولة واحدة.

٣- سلطة تشريعية واحدة.

٤- سلطة تنفيذية واحدة.

٥- سلطة قضائية واحدة.

٦- علم واحد، وعاصمة واحدة للدولة العربية.

7- تُسنُّ القوانين المنظمة لحقوق المواطنين وواجباتهم في الدولة الجديدة استناداً إلى هذا الدستور الواحد.

الوحدة الدفاعية:

أما فيما يتعلق بالوحدة العسكرية فنرى أن تقوم على الأسس التالية:

١- قائد أعلى للقوات المسلحة للدولة العربية الجديدة (رئيس الجمهورية الاتحادية)

٢- مجلس دفاع أعلى.

٣- قيادة عامة للقوات المسلحة.

٤- قوات مسلحة (برية-بحرية-جوية) موَحّدة التنظيم والتسليح والتدريب والتجهيز توزّع حسب متطلبات الدفاع والخطط الدفاعية المقررة على مسارح العمليات في أراضي الدولة الاتحادية.

٥- موازنة واحدة.

والقيادة العامة للجيش والقوى المسلحة السورية، شعوراً منها بمسؤولياتها القومية وورودها التاريخي، ووفاءً منها للشعب العربي في سورية الذي حمّلها مسؤولية الدفاع عن بقائه وسلامته، لتعلن أن كل وحدة لا تبنى على هذه الأسس المارة الذكر، ليست إلا تحالفاً بين جيشين تابعين لدولتين منفصلتين.

ذلك لأن متطلبات الدفاع وسلامة الأمة وحفظ كيانها في عصرنا الحاضر تقتضي دمج الشعوب العربية المتحررة في كيان واحد لتساهم في تحرير بقية الوطن العربي وتقوم بواجباتها لتصون السلم العالمي.

كما تعلن القيادة العامة باسم جميع القوات المسلحة، أنها على أتم ّ الاستعداد لتحمّل جميع الواجبات الدفاعيّة التي تقتضيها الوحدة الفورية وتعتبر نفسها منذ الآن ملزمة بتنفيذ كل ما تتلقاه من أوامر وتوجيهات تعطى إليها من القيادة العامة الموحدة مهما ترتب على هذا التنفيذ.

وفي الوقت نفسه تحمل كل حكومة أو فئة تتهاون في تنفيذ هذه الوحدة خطورة ونتيجة عملها تجاه الشعب العربي بأسره. وتجاه الأجيال العربية الصاعدة.

دمشق ١١/١/١٩٥٨

القائد العام للجيش والقوات المسلحة.

وثيقة رقم 4 : رسائل موجّهة للمؤلّف من رئاسة الجامعة السّوريّة