عام 1963 - الجزء 1: خلافات بين زهر الدين والسمان، وشائعات عودة النحلاوي

اقرأ بالإنكليزية

الثلاثاء ١ كانون الثاني

قضينا سهرة رأس السنة الجديدة في مطعم فندق الأوريان بالاس. وقد اصطحبنا معنا ابنتنا ميساء، لأول مرة.. وكان في دعوتنا بعض الأصدقاء.. وبالنسبة لنا، كان عشاء مريحاً، وسهرة مسلية، نسينا خلال ساعاتها، ضغط أحداث الحياة العامّة على أعصابنا، وكنت أشعر بالمتعة، حين تكون الموسيقى هادئة، وبالضيق حين تكون صاخبة.

هل أقول إن الأمريكان أفسدوا روعة الموسيقى، حين أدخلوا الرقصات الزنجية، تحت اسم «الجاز» وغيره من الأسماء!..

على كل حال كانت هذه الأمسية، خروجاً على ما نعيشه من شد الحبال المقيت.. وهي ليلة في كل سنة.. ثم إنها ليست مكلفة، وتستطيع أن تتحملها ميزانيتنا بيسر!.

وتهل السنة الجديدة. والنظام الانفصالي يتضعضع، يوماً بعد يوم.

وتصلنا أخباره الداخلية، عن الانقسامات في صفوف رجاله، مدنيين وعسكريين.. فالفريق زهر الدين، قائد الجيش، ينظر فيما عساه أن يفعل، وأين عليه أن يتّجه.. وهو في أحاديثه مع إخواننا «يعمل للوحدة»، ولكنه في خطاباته وتصريحاته العلنية يظهر، وكأنه يعض على بقاء النظام بأسنانه.. ومخالبه!.

والخلاف مستحكم بين مدير المخابرات العامة، العميد هاشم هاشم آغا، وبين قائد قوى الأمين الداخلي العميد مطيع السمان.

ويذكر الفريق زهر الدين في مذكراته[1] صراحة، ما كنّا نسمع به في تلك الأيام..

وهو يتحدث عن السمان بكثير من اللوم والمؤاخذة والمقت.. إنه يقول عنه، إنه عنصر لا يمكن التعامل معه، فقد اختلف مع عديد من الضباط القياديين، حتى أن العميد هاشم هاشم آغا، قدّم استقالته من عمله، ما لم يصرف السمان من خدمته، كقائد لقوى الأمن الداخلي[2]. وأن السمان شكل «شعبة مباحث، للتجسس على شعبة المخابرات..

وكثيراً ما كانت عناصر هذه الشعبة تصطدم مع عناصر المخابرات.. وقد أدى ذلك إلى وقوع ضحايا كالتي وقعت عند اعتقال يوسف مزاحم.. وأنه كان يسعى إلى زعامة شعبية، فكان يستدعي رجال الصحافة والمصورين للدعاية له، بمناسبة وبغير مناسبة.. وأنه كان متسلطاً على وزير الداخلية».

أشير إلى أن الأستاذ يوسف مزاحم، كان من وزراء الوحدة، ومعروف بولائه للوحدة ولرئيسها عبد الناصر. وهو الآن يعيش في مصر، منذ الانفصال.

ويأخذ زهر الدين على السمان، أنه «سكت عن دخول عبد الكريم النحلاوي ورفاقه إلى سورية. التي طردوا منها بقرار من مؤتمر حمص العسكري. مقابل مغنم يستفيد منه إذا نجح انقلاب النحلاوي، الذي أتى من أجل القيام به..».

وفشل قائد الجيش في إبعاد العميد مطيع السمان عن منصبه، لأن رئيس الجمهورية تمسك به، ولأن «الضباط الشوام انحازوا له».. وقد سانده خالد العظم رئيس الوزارة.. ففشل قرار إعادته إلى الجيش.. وقدم قائد الجيش استقالته.. «إلا أنها لم تقبل».

وبقي السمان في منصبه، يعمل في تهديم العهد، وهو يظن أنه يحميه.

وضحك الناس كثيراً، عندما انتشر نبأ قبول رئيس الجمهورية الدكتور القدسي أوراق اعتماد أحد السفراء الأجانب لديه، ثم ظهر أن سورية لم تكن معترفة بدولته..

فبادرت الخارجية إلى إرسال برقية الاعتراف Post mortum، كما يقول القانون الروماني القديم، أي «بعد الموت».

وفي جلسة مع الأستاذ رشاد برمدا، الوزير في الحكومة، قال له بكل صراحة، الدكتور عابدين حمادة بأن الحكم يتردى بسرعة متسارعة، وأن أخصامه في تزايد..

ودمشق التي بدأت تستفيق أصبحت ناصرية بنسبة تزيد على 70%.. ونقل عن لسان الدكتور سامي كبارة، قوله: بل إن الناصريين في دمشق أكثر من 90%.

وقال الأستاذ رشاد، إنه لم يعد يعرف شيئاً لا عن نفسه ولا عن وضع العهد.. فالناصريون - كما قال - يقولون عنه إنه انفصالي عريق، والانفصاليون يتهمونه بأنه ناصري.. وضاعت الطاسة معه، وقد تم تسريح عدد من الضباط، الذين عملوا للانفصال، وتم نقل عدد آخر إلى الخارجية.

وهكذا يكون الجيش ضحية تدخله في السياسة.. وهو يفقد كل يوم عدداً من الكفاءات التي أنفقت عليها الدولة دم قلوب مواطنيها، لكي يقفوا، حين البأساء، في وجه إسرائيل.. وتلك مهمتهم الأساسية.. لا قمع مظاهرات الداخل على الحكم الذي اعترف عدد من رجاله بفساده.. ولا أن يكونوا جهاز شرطة، يعملون لزيد ويقاتلون عمراً.

الجمعة 4

جرى في حلب استقبال كبير للأستاذ عصام العطار.

وأقام له علاء الدين الجابري حفل عشاء دعا إليه القناصل ورجال السياسة وكبار موظفي الحكومة، وزعماء الأحياء.

وكانت تظاهرة موجهة إلى سمعة الحكومة وهيبتها.. وكان الإخوان يعلنون بها تنصلهم من المساهمة في العهد.. وعلاء الدين هذا كان «خاضعاً» للإصلاح الزراعي.

وقد جاءني ذات يوم يشكو سوء حالته المادية.. فعاونته قدر استطاعتي في لجنة الإصلاح الزراعي العليا، التي كنت عضواً فيها!.

ولم يتذكر، سامحه اللّه، أن يرسل إليّ برقية تعزية بوفاة الوالدة.

وقد عرفت طبيعة هؤلاء «البكوات»! إنهم دوماً أصحاب حقوق مقررة، لا يقابلها أي واجب من الواجبات الاجتماعية.

الخميس 10

من أنباء جريدة المنار «الموثوقة» أنني تعاقدت مع الجامعة الليبية للتدريس فيها.. وسوف أغادر البلاد بعد أيام.

ولست أدري من أين حصلت المنار على هذا الخبر «الموثوق». الذي لم أسمع به. وهاجمت «المضحك المبكي» جريدة النائب السابق، حبيب كحالة، حكومة العظمة السابقة واتهمتها بأنها «كانت على صلة بالناصريين وأنها كانت تسعى إلى إعادة الوحدة مع مصر».

وانبرى وزراؤها لتكذيب الجريدة المذكورة.. فنفى بشير العظمة ورشاد برمدا ورياض الميداني، هذا الزعم «الملفق».. وأكدوا أنهم لم يفكروا، مجرد تفكير، في عملية خطيرة كهذه.

ويا إخواننا، رئيس الحكومة السابقة وبعض وزرائها:

كانت اتصالاتكم بنا مستمرة، وأن الدكتور العظمة، رجاني شخصياً بمساندته في سعيه إلى الوحدة، وطلب أن ندعمه ببرقية تؤيّده في خطه الوحدوي، وأذكر أنه قال لي: «لا تتركونا فريسة لهؤلاء الانفصاليين الشرسين».

ولعلكم تنسوا أنكم طلبتم أن يسافر بعضنا إلى القاهرة، لإقناع عبد الناصر بتغيير موقفه منكم.

فهل نسيتم كل هذا؟ أم أن «حمرة في الوجه ولا غصة قي الحلق)»؟.

وقد وصلتنا اليوم صورة قرار أصدره وزير التربية، الأستاذ رشاد برمدا، رقمه 5532/4/ك تاريخ 31/12/1962 موجهاً إلى مديرية التربية في دمشق، هذا نصه:

رأينا قبول مروان عسة حامل شهادة الدراسة الإعدادية، ومن مواليد 1974 في الصف الأول الثانوي، واستثناءه من شرط العلامات، واعتبار دوامه منذ تاريخ انتسابه إلى المدرسة».

وقبول هذا التلميذ ممنوع، من جهتين: نقص علاماته، ونقص دوامه.. وهذا نموذج من «الاسترضاءات»، التى يظفر بها الأنصار الموالون للانفصال.. فوالد هذا التلميذ، هو الأستاذ أحمد عسة، صاحب جريدة الرأي العام والصدى العام. ومن أقبح الوجوه الانفصالية.. ولكنه يساند العهد بقلمه المسموم، وإذن فلا بد من خرقه القانون واستثناء ابنه من شروط القبول، ليظل راضياً عن العهد.. ويسانده بالتلفيق والتزوير.

وقديماً قال نفر من اللاأخلاقيين، الغاية تبرر الواسطة.

وفي أجواء دمشق، روائح «حريفة» عن تحضير مؤامرة عسكرية، يقوم بها عبد الكريم النحلاوي وجماعته من الضباط الذين قاموا بالانفصال الأول، ثم أخرجوا من البلاد منذ مؤتمر حمص، الذي تحدثت عنه قبلاً.

وتقول الإشاعة إن النحلاوي وجماعته تسللوا من الخارج إلى سورية عبر الحدود التركية، في منطقة باب الهوى، وأن مطيع السمان، وهو دمشقي مثلهم، تستر عليهم، وانضم إلى صفهم.

وأخبرني بهذا، الأستاذ سعيد العبار.. صاحب جريدة «اللواء» التي تنطق باسم الإخوان المسلمين.

وهؤلاء الضباط يشيعون بأن الشيوعيين استولوا على الجيش، تحت زعامة العميد خليل الموصلي، وأن الحكم، من الرئاسة إلى أسفل الدرجات، لم يعد إلا ستارة خارجية، لا حول لها ولا طول.

وأكّد هذا الصحافي بأن حدثاً جسيماً سيحدث «خلال هذين اليومي». وأعتَرِفُ بأن المفاجأة أدهشتني.

فبضعة ضباط «شوام» غير قادرين، إطلاقاً، ، على القيام بانقلاب وحدهم، ولذلك لا بد أن يكونوا اتفقوا مع قطعات ضاربة في الداخل.

وأصبح معروفاً أن قائد قوى الأمن الداخلي أصبح من مؤيديهم. ولكن هل يعقل أن تؤيدهم قطعات ضاربة، لمجرد القيام بانقلاب جديد؟ أم أن هناك اتجاهاً وحدوياً، كما سمعت، يريد به النحلاوي وإخوانه التكفير عن جريمتهم النكراء، بالقيام بفصم عرى الوحدة؟

ولكن على أي أساس؟

إن غداً لناظره قريب!.. وسوف نرى ما يحمله الغد!.

الجمعة ١١

زرت الأستاذ أسعد الكوراني، بعد طول تردد.

والأستاذ أسعد هو وزير العدل والأوقاف، في وزارة خالد العظم التي تشكلت في 17 أيلول 1962.

وهو أحد موقعي العريضة الأولى بتأييد الانفصال. وليس له انتماء حزبي، فيما أعلم، ولكنه يخوض محيط السياسة، بصلاته مع الأوساط اليمينية، وكفاءته القانونية التي اشتهر بها كمحامٍ كبير.

وفي حديثي معه، عاد «معاليه» إلى موضوع توحيد حزبي الشعب والوطني لمجابهة التيار اليساري، الذي يمثله أكرم الحوراني.

وقلت له: هذه مسألة لا علاقة لي بها، لأنني لم أعد مرتبطاً بحزب من الأحزاب، إن كان هناك أحزاب شرعية، لأن كل الأحزاب حلت في مطلع الوحدة.

وقلت له: أليس الأستاذ الحوراني، شريكاً لكم في الحكم، وأمتن دعامة من دعائمه، فلماذا تقاومونه وتقفون في وجهه؟ وأجابني، بأنه لم يعد الآن صاحب قوة يُرتكز إليها في الجيش، فقد سرَّح أكثر أنصاره البارزين، ولكنه نشيط ومغامر ولا يتورع عن الإقدام على أية مغامرة.

وأكد الأستاذ الكوراني بأنه «عازم» على إصلاح ما أفسده نهاد القاسم (وزير العدل في دولة الوحدة) وأحمد سلطان (وزير العدل في عهد الانفصال).

وفي هذه الأثناء، حضر القاضي الأستاذ ظافر الموصلي، وهو صديق للأستاذ الكوراني ولي، وقد كنت عينته في وزارة المالية، بعد أن أخرجه نهاد القاسم مع القضاة الذين أخرجهم بتسريحهم في عهده.

وكان أسعد بك، بادي الخوف من وصول الشيوعيين إلى الحكم، وقال إنه لا يستبعد أن يقوموا بسحل القوميين من أمثاله، كما فعل شيوعو العراق بالقوميين، في عهد عبد الكريم قاسم!.

وقص علينا قصة حفيده «نافع» وهو ابن ست سنوات، فقد جلا والدا الطفل من بيتهما في حي المحافظة، إلى بيته هو، طلباً للأمان.. وفيما كان الطفل سائراً في الشارع، سمع من الناس بأنهم «سيذبحونهم» قريباً.. وظل الطفل مذعوراً يصرخ في نومه، طالباً النجدة، مدة تزيد عن شهر.. وكان هو أيضاً متخوفاً من هجوم «رعاعي»!.

وذكر لي أنه كان عند رئيس الجمهورية، فذكر له وفاة والدتي.. واستسنح الرئيس الفرصة «ليثني ثناءً عطراً على «هذا الشهم»، الذي لم يقصّر في معاونة الصديق والعدو». يوم كان في السلطة.. (وكان يقصدني في حديثه).

وربما كان يقصد «فخامته» معاونتي له، في الحصول على رئاسة بنك العالم العربي، أيام الوحدة.

السبت 12

صدرت جريدة اللواء - لسان حال الإخوان المسلمين - وهي تحمل تصريحاً لمرشد الإخوان المسلمين، عصام العطار، يتضمن رأيه في موضوع الوحدة.

وكانت أحاديث الرجل، حول هذا الموضوع، تتصف بالغموض وربما المراوغة.. أما حديثه اليوم، فكان أكثر وضوحاً.

فقد قال ما يلي:

«نحن أصحاب مبادئ ومقاييس نؤمن بها ونلتزمها ونحكم بها على الأشخاص والأوضاع، ولا نحيد عنها بأقوالنا وأفعالنا ذات اليسار وذات اليمين. ولقد حكمنا بهذه المبادئ والمقاييس على عبد الناصر، فحاربنا حكمه الدكتاتوري، وكل ما رأيناه انحرافاً في الداخل والخارج، أيام كان - يحكمنا عبد الناصر. ونحن لا نزال الآن كما كنا في الماضي.. إننا ضد الدكتاتورية والانحراف، ولكنا دائماً مع الوحدة..».

وقد وضع للوحدة التي يتبنّاها ثلاثة شروط، هي:

1 - حياة دستورية تمكّن الشعب من تولّي أمره.

2 - التحرر من الاستعمار ومخططاته.

3 - إقامة الوحدة بالطرق المشروعة، وليس «بطريق الدم».

وللأمانة، فإن الأستاذ العطار ظفر بمركز في سياسة العهد الانفصالي، هو أكبر من حجمه، ولم يحصل عليه بكفاءته، وإنما بسبب الضعف الذي ينخر كيان العهد.

الخميس 17

ظننا أن الصحافة السوداء الوجه هادنتنا..

ولكننا لم نكن على صواب فيما ظننا.

فقد خرجت علينا جريدة الصرخة، هذا اليوم، (وصاحبها هو أحمد علوش الشيوعي) تحمل العنوان الكبير التالي:

من أجل سورية.. أحرقوهم.. ادفنوهم أحياء

أنقل بعض ما جاء فيه، للذكرى والعبرة:

«يا رجال الدولة.. يا رجال الأمن.. يا رجال القضاء.. اضربوا بيد من حديد على هؤلاء المخربين.. اضربوا بلا رحمة.. بلا شفقة.. بلا إنسانية..

عاملوهم كما يحب عبد الناصر أن يعاملنا. اذبحوهم كما يريد عبد الناصر أن يذبحنا.. اقتلوهم كما يقتلنا عبد الناصر.. ادفنوهم أحياء».

ومع ذلك فلم تقدم النيابة صاحب الجريدة إلى محاكمة، لردعه عن هذا التحريض الإجرامي على القتل..

ولم نُقِم نحن الدعوى عليه، لأننا نشعر أننا بذلك نعطيه أهمية لا يستحقها.. ألم يقل إمام جامع «دك الباب» منذ أيام، في خطبة الجمعة، بأننا «مرتدون وأنه يفتي بهدر دمنا»؟.. ومع ذلك فلم نهتم به، لأن ما يقوله نباح كلب في برية.. وأنه مستعدّ ليفتي - لو عادت الوحدة - بهدر دم خصومها.. هؤلاء هم فقهاء ء السلطان! غير أن للحادثتين دلالة يقينية على أن الوضع العام أصبح «سبهللاً» وأن الدولة أصبحت لفظة جغرافية، لا وجود لها إلا على الورق. ولا أحد يعرف من الذي يحكم البلاد.

والاختصاص لا يحدده القانون، وإنما ترسم حدوده إرادة من هو قادر على انتزاعه، وتسخيره لمآربه.

ومرة أخرى، تتجه أفكاري، نحو هذا العجوز القابع في القفص.

---

الحواشي:

[1] ص391، وما يليها.

[2] انظر الصورة الزنكوغرافية، لكتاب الاستقالة، المرجع السابق، ص392.