الفصل الثالث عشر، الجزء 6: آلام المخاض إلى الوحدة: المنفى والوداع
وعلى الرغم من ابتعاد رشدي الكيخيا عن الأضواء السياسية فقد ظلَّ موضع احترام الرئيس عبد الناصر بصورة خاصة. وأودُّ أن أذكر حادثتين اثنتين للتدليل على مشاعر عبد الناصر نحوه:
الأولى: أنني كنت مرة في زيارة للرئيس عبد الناصر في بيته المتواضع في منشية البكري في القاهرة من أجل دراسة الميزانية، بعد أن اختارني لوزارة المالية. وفي لحظة استراحة تبسم وسألني: كيف إخواننا في حلب؟ ووجدتها فرصة طيبة، لأبدِّد بعض الشكوك. فقد ترامى إلى سمعي أن عدة تقارير أرسلت إليه بأنني على صلة بأعضاء حزب الشعب.. وقلت له: هذه مناسبة حلوة يا سيادة الرئيس لأوضح موقفي من دون غموض: فأنا على صلة وثيقة برشدي الكيخيا وبقية أصحابنا. وليس من الكرامة أن تحدث بيني وبينهم جفوة.. وإذا كانت صلتي بهم تؤثِّر في سير عملي كوزير، فأنا أرجوك أن تختار غيري لوزارة المالية.. أما أنا فسأظل أخدم وطني كأستاذ في الجامعة، وهذه هي مهنتي الأصلية ومهمتي الوطنية.
واستغرب الرئيس قولي، وقال: بالعكس نحن نريد أن نتألف كل الناس.. وخاصة مثل هؤلاء الأخيار.. وأنا أكلفك رسميًّا بأن تذهب من قبلي لتحيتهم في بيوتهم في حلب، عندما تعود إلى دمشق.
وقد فعلت ما طلبه الرئيس مني..
والثانية: حين حضر الرئيس جمال عبد الناصر إلى حلب، استقبلته المدينة استقبالًا لم تشهد له مثيلًا من قبل. وقد حييته باسم المدينة، المجاهدة الوحدوية بخطاب ألقيته في ساحة حي العزيزية على مئات الألوف من أبناء حلب المجاهدة. وكان في غاية الانشراح. وقد أمت القصر الذي نزل فيه (قصر آل صائم الدهر) في حي المحافظة أمواج متلاطمة من البشر، فاضطرَّت الشرطة إلى صد الناس تفاديًا من حوادث قد تقع بفعل الزحام.. وقد حضر رشدي الكيخيا وناظم القدسي للسلام عليه مع المهنئين بقدومه. غير أن رجال الشرطة منعوهما من الاقتراب من مدخل القصر، وأصابت صدر رشدي دفعة من يد أحدهم، فغادرا المكان.
وحين علمت بالأمر، دخلت مكتب الرئيس وقصصت عليه ما حدث، فاستاء جدًّا وطلب مني أن يحضرا في موعد حدّده لهما في الغد.. فذهبت وأحضرتهما، ودخلا عليه وجلسا معه قرابة نصف ساعة، ثم خرجا وهما في غاية الامتنان له والانشراح من ملاطفته. ولا يعرف أقدار الرجال إلا الرجال.
وقد حدث أن قدَّمت استقالتي من وزارة الوحدة، بعد استقالة الوزراء البعثيين منها من دون أن يكون بيني وبينهم أي تضامن، فبلغت أنباء استقالتي سمع رشدي الكيخيا.. وفوجئت بزيارته لي في بيتي في دمشق مع إخواننا ناظم القدسي ورشاد برمدا ورئيس محكمة النقض عبد القادر الأسود.. وكانوا حريصين على أن أسحب هذه الاستقالة حتى لا تُفسَّر بأنها تكتل ضد عبد الناصر، ثم إن عود الوحدة لا يزال طريًّا فلا يجوز أن تصاب بجرح آخر، بعد ما جرحها الآخرون.. ولم يغادرني رحمه الله إلا بعد أن وعدته بسحب الاستقالة.. وسحبتها.
ويقينًا فإنه كان من أشد الناس حرصًا على استمرار الوحدة. وكان رأيه أن الأخطاء التي يتحدَّث عنها الناس، شيء طبيعي، وفي منطق العمل الحكومي، فلا يمكن صهر عقليات المصريين والسوريين في شهور قليلة.. ومن الممكن إصلاحها بالإخلاص الدؤوب والتضحية المثالية.. ومن يخطب الحسناء لا يغله المهر. والذي تصاب عينه بمرض فإنه يعالجها ولا يقلعها.
وكان كثير الضيق بتصرُّفات «المكتب الثاني» الذي يرأسه السراج.. وكنا كلنا نضيق بها ذرعًا.. وكان يقال لنا حين كنا نتحدَّث عن سيئاته:
الآن المعركة مع أعداء الوحدة محتدمة.. وعما قريب سيفقد هذا المكتب مبرر وجوده. ومن جهتي، فإنني لم أكن قانعًا بوجود أعداء للوحدة في الداخل. وأشهد أن السوريين باستثناء قلة لا يعتد بها - اندفعوا في طريق تحقيقها، اندفاعًا، لا مثيل له في تاريخ الوحدات السياسية، وكانوا لا يساومون على قناعاتهم في وجوب قيامها واستمرارها. لذلك كان من واجب المكتب الثاني أن يوجِّه نشاطه إلى أعداء الخارج وحدهم!
ولقد أحطت علمًا عدة مرات بحوادث تصرَّف فيها موظفو هذا المكتب تصرُّفًا متهوّرًا. وتدخَّلت في بعضها لدى رئيسهم فحلَّها حلًّا مرضيًا.
ومن منطلق إيمان الكيخيا بوحدة العرب، رفض أن يوقع على وثيقة الانفصال المشؤومة عام 1961 وامتنع عن توقيعها ناظم القدسي أيضًا. كما رفض أن يرشح نفسه للنيابة عن المدينة التي أحبها وأخلص لها، فأحبته وأخلصت له، ولم يخيب ظنها فيه، وكانت بالتأكيد مستعدّة أن تعرب له، لو أنه أراد، عن صادق تأييدها وكامل ولائها.. وأنا أول مَن يعرف هذه الحقيقة.
وقد حذوت حذوه فلم أرشِّح نفسي عن مدينتي حلب، على الرغم من إصرار الدكتور ناظم القدسي عليّ، لأنني كنت قانعًا بأن عملية الانفصال عملية شائنة دبّرت في ليلة غدر، ولأن القائمين بها، كانوا من الضعف بحيث لا يستطيعون الدفاع عن نظامهم المشبوه.. وجاءهم البرهان على هذا القول بعد أقل من سنتين!
وهو في إخلاصه الصامت درس بليغ لأولئك الذين «قادوا» موكب الوحدة وتمزقت حناجرهم بالصراخ الوحدوي، حتى إذا آنسوا أنهم لن يقودوها على هواهم، قلبوا لها ظهر المجن، وناصبوها العداء.. ومن أسف أن وثيقة الانفصال لا تزال تحمل توقيع صبري العسلي وأكرم الحوراني وصلاح البيطار[1] وخالد العظم.
وتحت يدي شهادة معبرة، أدلى بها الأستاذ أسعد الكوراني أمام محكمة التاريخ، وقد شهد أحداثها في ذلك اليوم الحزين، عندما دعا الانقلابيون الانفصاليون رجال السياسة للمداولة في الوضع الطارئ والحصول منهم على تأييدهم على فعلتهم النكراء.. وأودُّ أن أنقلها عنه، حتى يبين الخبيث من الطيب وينال كل ذي حقٍّ حقه.. فقد كتب يقول:
«لقد بقي الكيخيا مخلصًا للوحدة المصرية السورية، لأنها كانت مبدًا وطنيًّا عنده مهما تكن صورتها. وقد تجلَّى منه هذا الإخلاص بعد الانفصال سنة 1961.
ولقد تلقيت دعوة من نادي ضباط حلب لحضور اجتماع يعقد فيه.. فلبيت الدعوة. وهناك رأيت بعض رجال السياسة. وكان هناك رشدي الكيخيا وناظم القدسي.. وتكلَّم عدد منهم فأيَّدوا الانقلاب.. ثم وقف الضابط الذي يمثل الحركة الانفصالية (واسمه جورج محصل كما علمت) وطالب المجتمعين بإصدار بيان بالتأكيد.» غير أن رشدي الكيخيا طلب الكلام وقال بالحرف الواحد ما يلي:
«إن الوحدة التي قامت بين سورية ومصر كانت من مبادئنا في الوحدة العربية. فهي بهذا الاعتبار ليست حركة سياسية إقليمية، وإنما هي حركة سياسية عربية. فالعمل على هدمها ينافي هذه القومية، ولا يدخل بهذا الاعتبار في نطاق الاتجاه السياسي. على أن هذه الوحدة أصبحت بعد قيام إسرائيل خاصة ضرورة من ضرورات الأمن الوطني لسورية. وإذا وقعت أخطاء من عبد الناصر في أثناء قيامها فإصلاح الخطأ ممكن. وعبد الناصر غير خالد. فأرى وجوب إعادته واقتراح توسيط شخصية عربية كبيرة، كالأمير فؤاد شهاب رئيس جمهورية لبنان، الذي أذكره على سبيل المثال، لإزالة أسباب الخلاف وإعادة الوحدة حفاظًا على مبدأ الوحدة العربية وعلى سلامة قطرنا من إسرائيل. وأما البيانات بتأييد ما حصل على صورة بيان دمشق فالضرر منها شديد وواسع. وإذا استقرَّ الرأي على إصدار البيان المطلوب فأنا لا أوقِّع عليه».
وقد وقعت كلمة الكيخيا وقع القنبلة على الضباط وعلى الحاضرين. وبعد يومين عقد اجتماع واسع في نادي ضباط دمشق دعي إليه كثيرون من رجال السياسة على اختلاف أحزابهم واتجاهاتهم. لكن الكيخيا والقدسي قاطعاه».
ويضيف الأستاذ الكوراني قوله:
«كان الكيخيا رجل مبدأ وصاحب مدرسة في عمله الوطني والاجتماعي والسياسي. عزف عن الوزارات والرئاسات، على الرغم من عرضها عليه مرارًا، مكتفيًا بالنيابة وحدها، لأنه رأى فيها وسيلة كافية لتحقيق مبادئه.
وكان أديبًا مهذبًا في تعامله وفي أحاديثه»[2].
وحين أطيح بالانفصال ليلة 8 آذار 1963، استدعيت إلى مقرِّ رئاسة الأركان العامة بدمشق بوصفي «ناصريًّا»، للبحث في تنظيم الأوضاع الجديدة.. وقد رشَّحت رشدي الكيخيا لتشكيل الوزارة، وأنا على شبه قناعة تامة بأنه سوف يرفض التكليف.. لكني رشَّحته لقناعتي أنه كان الوحيد القادر على جمع الشمل وتوحيد الصفوف في تلك الظروف الصعبة.. أو على أقل تقدير من باب تبرئة الذمة.
وقد نقل بعض الفرقاء نبأ ترشيحي هذا إلى عبد الناصر، من باب الشكوى مني باعتباره «رجعيًّا» غير أني ما زلت قانعًا بأنه لو أمكن إقناع رشدي الكيخيا بقبول تشكيل الوزارة في تلك الليلة، فلربما تغيَّر الوجه السياسي لمنطقتنا تغيُّرًا جذريًّا.
وعلى الرغم من اعتكافه في بيته وامتناعه عن ممارسة أي نشاط سياسي، فقد اعتقل أيام الانفصال مدة أسبوعين، حين اعتقل ناظم القدسي رئيس الجمهورية، في الانقلاب الذي وقع ضده يوم 28 آذار 1962، مع أنه لم يكن مرتاحًا أبدًا لتولي صديقه القدسي رئاسة الجمهورية الانفصالية.
ولقد سمعت منه رحمه الله، ذات مرة، حديثًا عبر فيه عن عدم رضاه عن ترشيح الدكتور القدسي لرئاسة الجمهورية، خلافًا لما نسب إليه.
فقد كتب الفريق زهر الدين بأن رشدي الكيخيا اعتذر عن عدم قبول أي منصب حكومي «ورشح الدكتور ناظم القدسي للرئاسة الأولى».
وحين اطلع الكيخيا على هذا الكلام وكان في لبنان نفاه جملة وتفصيلًا وأرسل إلى الصحف الرسالة التالية بتوقيعه:
جاء في الصفحة 153 من الكتاب الذي نشره الفريق المتقاعد السيد زهر الدين بعنوان (مذكراتي عن فترة الانفصال في سورية) ما يلي:
(قرَّرت القيادة إيفاد العميد موفق عصاصة والسيد سهيل العشي إلى حلب لمفاوضة السيدين رشدي الكيخيا وناظم القدسي باسم القيادة من أجل تسلم رئاسة الجمهورية، ذهب المذكوران وانضم إليهما العميد مسلم الصباغ قائد منطقة حلب وباشروا بالمفاوضة قبل نشر نتائج الانتخابات النيابية، اعتذر السيد رشدي الكيخيا عن قبول أي منصب حكومي ورشح الدكتور ناظم القدسي لكرسي الرئاسة الأولى).
وبما أنه لا علم لي بكل ما ورد أعلاه ولم يتصل بي أحد من السادة الوارد ذكرهم الذين أنيط بهم القيام بهذه المهمة وهم أحياء يرزقون والحمد لله ويمكن الرجوع إليهم للوقوف على صحة الأمر.
لذلك أرجو نشر هذه الكلمة بيانًا للحقيقة والواقع ولكم وافر الشكر.
رشدي الكيخيا
وبعد أن أفرج عن القدسي في أعقاب توقيعه على الوثيقة المعروفة التي نشر الفريق عبد الكريم زهر الدين صورة عنها بالزنكوغراف في مذكراته، أفرج عن الكيخيا أيضًا فعاد في هدوء الناسك إلى صومعته في حلب.. لكن الأحداث التي يأخذ بعضها بأعناق بعض في بلادنا القلقة لم تهادنه.. فقد داهمت بيته كوكبة من زوار الفجر صبيحة 16 آب 1966 واقتادوه إلى سجن تدمر، فدخله على كره، وهناك وجد وزراء من العهد الجديد كانوا يضطهدون الناس ويعتقلونهم، من دون وجه حق، فكان وجودهم في المعتقل دليلًا على أن الدهر دولاب يدور، ورحى تطحن!
وبعد أسبوعين من اعتقاله صدر أمر عرفي برقم 30 يقضي بمصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة. وظلَّ معتقلًا أحد عشر شهرًا وبضعة أيام.
ثم فتح له ولغيره من المعتقلين باب السجن حين اندلعت الحرب مع إسرائيل في 6 حزيران 1967.
ويمثِّل هذا الاعتقال قمة الظلم، لأن الرجل أصبح متقدمًا في السن، علاوة على أنه لم يكن له أي نشاط سياسي منذ عشر سنوات، أي قبل قيام الوحدة مع مصر.
ولم يطل مكوثه في حلب أكثر من عشرة أيام، لأن «نصيحة» عليا قُدِّمت إليه بوجوب مغادرته البلاد، نقلها إليه مدير المخابرات في حلب، لأن القائمين على الأمر ضاقوا ذرعًا بمواكب مهنئيه، الذين كانوا يتحدَّثون عن الحرب وذيولها. وهي أحاديث لم تكن مستساغة.
وحمل الرجل حقيبة ملابسه، وألقى عصا التسيار في بيروت، منفيًّا عن بلده الذي أحبه، وعن أهله وأصحابه الذين كان يرتاح إليهم في غياب الزوجة والولد.. مع أنه لم يتزوَّج ولم ينجب، وما وجدته أبدًا نادمًا على عزوبيته.
وقد اتخذ سكنًا له في فندق أنترناسيونال، حيث كان يجلس إلى زواره مساء كل يوم، ويغمرهم ببشاشته وأنسه، وهم على فناجين قهوته.
واستمرَّت حياته على هذه الوتيرة، حتى غزا الجيش الإسرائيلي لبنان عام 1982 وضرب بيروت واحتلها، وتهدم فيما تهدم من مبانيها، فندق أنترناسيونال. ومع ذلك فلم يبادر فورًا إلى المغادرة، وظلَّ في مقامه ما وجد إلى الماء والكهرباء سبيلًا. لكن حين استحال عليه العيش من دونهما، قرَّر المغادرة. لكن لم تكن مغادرته لتطول في كل مرة إلا أسابيع قليلة.
وقد تعرَّف في هذا الفندق إلى الأمير عبد الله بن عبد العزيز (ولي عهد المملكة العربية السعودية)، فدعاه إلى أداء فريضة الحج عام 1973 مع من يحب. ولبى رحمه الله الدعوة، واصطحب معه أحمد قنبر وابن أخيه مروان الكيخيا، وأنزلوا مكرمين في أحد القصور الملكية، وأدَّى فرضه مؤمنًا بالله راضيًا بحكمه وقضائه، صابرا على البلوى.
وعلمت بصورة مؤكَّدة أن الأمير عبد الله عرض عليه مساعدة مالية في انتظار رفع المصادرة عن أمواله، إلا أنه اعتذر بأدب عن عدم قبول أي معونة من غير الله سبحانه، انسجامًا مع طبيعته العفيفة ونفسه السمحة.
وقد أتيحت له أثناء مقامه في السعودية فرصة طيبة عرض فيها قضية مصادرة أمواله على الملك فيصل وسأله إن كان يقبل أن يتوسَّط لدى السلطة السورية في شأن إعادتها.
ووعده الملك خيرًا، لكن مسعاه لم يثمر.
وقد حصل المرحوم على حكم مبرم من القضاء السوري بإلغاء المصادرة، لمخالفتها أحكام الدستور، إلا أن هذا الحكم بقي حبرًا على ورق ولم ينفذ.
وقد تحمل ما حل به من مآس بكل صبر، فلم ينقم على أحد ولم تستفزه رغبة في الانتقام، وظلَّ بعيدًا عن كل تكتل سياسي.
ومع ذلك فقد كان يؤم مجلسه في بيروت ساسة سوريون منفيون كانوا يعملون على تغيير الوضع السياسي في سورية. وكانوا يفضون إليه بدخائل نفوسهم، بل كانوا يتحدَّثون إليه بتفاصيل أمورهم. وكان يصغي إليهم، غير أنه كان يصارحهم بأنه اعتزل العمل السياسي نهائيًّا. وقد امتنع رحمه الله عن حضور أي اجتماع من اجتماعاتهم التي كانوا يعقدونها هناك، من دون أن يقطع بينه وبينهم الاتصالات الشخصية والودية.

وقد زرته في هذا الفندق، فأكرم زيارتي له.
وحين ألحَّت عليه ظروفه الخاصة وظروف المنطقة التي كانت تسير من سيئ إلى أسوأ، غادر بيروت إلى قبرص، وحلَّ في أحد فنادق عاصمتها، حيث كان موضع ترحيب السلطات الرسمية وتكريمها.
وفي قبرص وافاه قضاء الله الذي لا راد له. فأسلم روحه الطاهرة إلى بارئها على ذراعي ابن أخيه مروان، ووري جثمانه في أحد مساجدها التي يذكر فيها اسم الله سبحانه، يوم 14 آذار 1988.
وكانت جزيرة قبرص جزءًا من السلطنة العثمانية. وقد اشترتها منها بريطانيا عام 1878 واعتبرتها مستعمرة لها. واستوطن في مدينة ليماصول أتراك قبارصة، وبنى فيها أحد المسلمين القبارصة واسمه قرناقوط مسجدًا، لا يزال يحمل اسمه.
وفي عام 1960 قامت حرب أهلية بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك، فحولت حديقة المسجد إلى مدفن للشهداء المسلمين. وفي هذا المدفن، دفن المرحوم الكيخيا.
وكنت يوم وفاته رحمه الله في مدينة الرياض، في زيارة خاصة إلى ولدي غسان، الذي كان يعمل مهندسًا في مؤسسة القمر الصناعي العربي (عربسات).
وقد نقل إليّ النبأ الأليم الدكتور معروف الدواليبي المستشار في الديوان الملكي السعودي.. فأحسست بدمعات حارة تتساقط على خدي حزنًا وأسفًا.
وسألت نفس: أتراها ضربة قدر أن يواري جثمانه الطاهر تراب قبرص، أم أنه كان يتذكر وصية ذلك القائد الروماني لضباطه حين أصيب في مقتل على صهوة جواده تحت قعقعة السيوف:

«إذا متُّ، فلا تدفنوني في روما، فإنها لا تستحق عظامي».
تغمَّدك الله يا صديقي الغالي بواسع رحمته.
وأسكنك فسيح جناته..
فقد عففت عن الدنيا ومتعها..
وزهدت في أسمى المناصب التي سعت إليك على أعناقها.
وتحمَّلت من ظلم الدهر وأهله ما ينوء بحمله الصديقون الأبرار.
لكن من رحمة الله عليك أنك خرجت من الدنيا، وذكرك باقٍ فيها كأنسام الربيع المعبقة بالورود.
وسمعتك أنقى من ماء السماء.
ويدك بيضاء من غير سوء، لأنها لم تمد إلى مال حرام.
وسوف تظلُّ أمتك التي أحببتها وناضلت في سبيل عزّتها ووحدتها، تذكرك بالعرفان والوفاء.
حتى يرث الله الأرض ومن عليها..
فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيبقى في الأرض.
وسلام عليك يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا.
ولك مني هذا الكتاب، فاتحة متصلة متجدّدة على روحك الطاهرة.
(...رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا...)
دمشق بداية العام 2000
الحواشي:
[1] حدَّثني بعض أصدقاء المرحوم البيطار، أنه ندم ندامة الكسعي على توقيعه على هذه الوثيقة، وأكدوا أنه حاول مرتين أن ينتحر.
[2] عن مذكرته التي سبقت الإشارة إليها. وقد أيَّد الأستاذ الكوراني هذا القول في كتابه «ذكريات وخواطر»، مطبعة رياض الريس، لندن، شباط 2000، ص344. وفي شهادة الأستاذ الكوراني نفي قاطع لما ورد في مذكرات الأستاذ أكرم الحوراني «سنوات الثلج والنار» بأن رشدي الكيخيا وقع هو وناظم القدسي بيان التأييد للانفصال.
جريدة الشرق الأوسط، الحلقة 30 من مذكرات الحوراني.. وقد طبعت هذه المذكرات في مصر عام 2000 مطبعة الحاج محمد مدبولي.